اذا تحركت في السوق، وكل البلاد اسواق، على اليمين، على الشمال، في قلب الصحراء وقرب المزارع وعند البحر، دكاكين ومجمعات وناطحات سحب، كل يوم تشاهد محلا او محلات جديدة تفتح واخرى تغلق ابوابها، يظل منها لوحة الاسم معلقة تنتظر الصدأ او امر المحكمة يبت في اشكاليات خسائرها وخصوماتها. كل يوم يولد تاجر جديد او يخرج من السوق مخضرم، الاول محملا بالاوهام والقروض، والآخر بالمديونيات والشيكات المرتجعة، الاول يبحث عن مغامرة والثاني يذهب لليأس، وهكذا حال السوق. عشرات الآلاف من المسجلين في غرف التجارة ودوائر الاقتصاد يحملون لقب تاجر او شريك او صاحب شركة، والاف الاشخاص الذين يملكون تجارة مستقرة ويتمتعون بأرصدة ضخمة في البنوك الداخلية والخارجية وعدد لا يتجاوز اصابع الكف من هؤلاء الآلاف، هم الذين يحترمهم السوق ويثق بهم، وحولتهم التجارب والمعاملات الى «ماركة» اصيلة، يدخل المستهلك الى السوق يبحث عنها، هي فقط. جمعة الماجد واحد من اشهر الماركات المنتشرة في كل انحاء الامارات تجد علاماتها على الطرق الخارجية عند منحدرات وديان مسافي العميقة والبعيدة، وتشاهدها معلقة في اعلى المجمعات التجارية قرب دوار الساعة بدبي، بضائع هذه الماركة منتشرة بمنازل البدو في مختلف جنبات مسكنهم الشعبي وايضا متواجدة في افخم القصور، في كل المكاتب والاسواق تجد اسمه بارزا ملفتا. حظ جمعة الماجد انه امتلك اشهر الماركات والتوكيلات لشركات عالمية رائدة امتازت بالجودة والتطور ومن اشهر بلدين، الاول اليابان والثاني امريكا، وفي مجالات يقوم عليها احتياج العصر وهي الكهربائيات والالكترونيات وازدهرت مشاريع هذا التاجر في فترة السبعينيات ومنتصف الثمانينيات، والبلد والناس انذاك في حالة الذروة من الانتعاش والاحتياجات والتطلعات. كبر جمعة الماجد وتوسع كثيرا مع مرور الزمن ولكن الفضل لم يكن للماركات الكبيرة والاصلية التي اعطته ضمان المنتج وكفاءته، انها كانت الثقة التي منحه اياها السوق لاسمه هو اولا الذي ارتبط بالدقة والجودة وخدمات ما بعد البيع وعندما بدأت بضائع الشركات العالمية التي يمثلها ثقل جودتها ومتانتها بسبب خروجها من بلدانها الام وبدء انتاجها في دول تمتاز بانخفاض تكلفة الانتاج فيها ومن ثم انعكاس ذلك على نوعية المنتج، رغم هذا التبدل حافظ جمعة الماجد على ماركته التي اصبحت في هذا المكان اهم واكبر من شهرة العلامات التجارية العالمية التي يمثلها وعندما تحولت تجارة جمعة الماجد في بعض فروعها الى الاسواق الاسيوية الجديدة، والتي تكبد كثير من تجارنا خسائر ضخمة نتيجة عدم ثقة المستهلك في متانة المنتج المستورد من مثل هذه البلدان الا ان واحدا مثل اسم جمعة الماجد غير هذه الصفة والصورة فلاقت اقبالا وقبولا، وصنع لهذه المنتجات شهرة وسوقا رائجا، ما كان ليتحقق لها ذلك لولا اسم هذه الماركة الوطنية الاصلية التي حملته هذه البضائع الجديدة. ميزة هذا الاسم الذي يعد واحدا من اشهر الاسماء التجارية والمالية ليس في الامارات وحدها وانما على النطاق الخليجي والعربي، وذكره يعد اكبر ضمانا وثقة في السوق الخارجي وعند الشركات الكبرى، وايضا عند المستهلك المحلي. مزيته صدقه واخلاصه وجودته وهي ثوابت يندر ان تجدها في هذا الزمن في السوق او حتى في اخلاقيات العصر وتعاملات الناس. صنع جمعة الماجد اكبر من الاسم الماركة وأوسع من عالم التجارة الذي اصبح فيه عملاقا واغنى من غنى المال والثروات، انه صنع الخير، زرع شجرة بل اشجارا طيبة، لا يعلم الا الله عددها، بذرها في كل ارض عرفته او شعر انها محتاجة للعون وتعهدها يبذل لها الرعاية والسقاية ولانه لا يبتغي منها هدفا ماديا او دنيويا ولا يريد منها شكورا، فانه يحرص ان يكون كتوما عليها لا يريد ان يتعرف عليها احد، والا فانه فسد خيرها بذكرها والتباهي بها ولو بين الناس المحبين له، هكذا صمت عليها ودفن سر عمله للبر فيها وهكذا الصالحون دائما. من بين الاعمال الجليلة التي قدمها لوطنه واهل وطنه ولامته التي آمن ان لها حقوقا وان عليه وعلى كل فرد نحوها واجبات وادوارا: ساهم ودعم واحدة من اشهر الجمعيات الخيرية في الدولة هي «بيت الخير» وهذه مسلكها مختلف عن شبيهاتها في النشاط والمرتكزات، انها تعمل من الداخل وللداخل، تبحث عن المحتاج داخل الوطن وهو موجود، وانه اولى بالخير، هذه الجمعية الرائدة هي التي نادت وطرحت مصطلح (الاسر المتعففة) وتكفلت بمساعدة اكثر من 1300 اسرة محتاجة كل شهر وعدد يزيد على 16 ألف اسرة في العام الواحد على مستوى الدولة. وايضا مدارس دبي الخيرية، انها من الاعمال العظيمة التي تحسب لهذا الرجل، فمن يفكر في مثل هذا الزمن المادي ان يفتح مدرسة مجانية للمحتاجين وبرسوم رمزية للاسر البسيطة التي ينقصها المال الذي يستر حالها وتثقلها الاحلام والخوف على مستقبل ابنائها. ثمانية عشر عاما عمر هذه المدرسة وعدد يزيد على خمسة الاف طالب وطالبة لايزالون فيها على مقاعد الدراسة وكل عام بل كل يوم وجمعة الماجد ملزم نفسه ان يصرف عليها ويتحمل جميع متطلباتها. وبنى اكبر من المدرسة، كلية جامعية ضخمة وحدد هويتها للدراسات العربية والاسلامية وايضا قدمها عرفانا للوطن واهله، وخدمة للعلم والعلماء كل عام تفتح ابوابها لطلاب وطالبات الامارات والعرب مجانا ووصل عدد طلابها الى ما يزيد على ثلاثة الاف طالب وطالبة مسجلين فيها هذا العام فمن يقدر على ان يرعى كلية جامعية لمدة خمسة عشر عاما ويواصل رعايتها وتطويرها. ويأتي مشروع مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث اكبر ثروة يقدمها هذا الانسان للتاريخ والثقافة الانسانية، لف العالم او ارسل من ينوب عنه يبحث عن وثائق وتاريخ هذه الامة الضائع والذي اكلته الرمة، اعمال ومؤلفات قدمها علماء وادباء وقصة حضارة عظيمة تناثرت اوراقها في الاصقاع التي وصلها مد ومجد الامة ذهب جمعة الماجد يبحث عنها في البلدان المختلفة يشتريها بثمن بخس او غال مبالغ فيه لا يهم، المهم ان يجمعها ويحفظها، عسى ان تنفع الناس. بنى منها في وطنه صرحا يعد واحدا من اعظم واهم المراكز على المستوى العربي والدولي، هذا الدور وهذه الانجازات والاعمال الجليلة التي قدمها الرجل في الله، عمل صالح، تحمل آيات الوفاء والحب لوطنه واهله وامته وللتاريخ، قدرت الحكومات والمؤسسات والمنظمات الدولية عظيم الدور الذي بادر وتكفل به جمعه الماجد، فأشادت به «اليونسكو» وفاز بجائزة دولية مثل جائزة الملك فيصل العالمية، وكرمته مصر ولبنان، ونال جائزة العام الثقافية في ندوة الثقافة والعلوم بدبي واحتفلت فيه الشارقة وكرمته في معرض الكتاب. هذا النموذج لو حدث أن تكرر مثله في هذه الامة لتغير حالها فالمال والثراء كما يأتي سريعا او صعبا وشاقا فانه سيرحل يوما لابد من ذلك، وقد يضيع شر ضياع اذا ماحان موعد رحيل جامعه دون ان يترك له ـ طبعا ـ خيار ان يحمله معه الذي سيبقى له عمله الصالح، هذا ظله في الارض يدعو له يوم الحساب. فالسعادة الحقيقية ان تسعد الناس وتشعر انك حققت شيئا، ان تخدم وطنك وامتك، وان تذكر بالحسنى والمعروف. فما اعظم الايمان بعمل الخير والسعي به.. وما اسعدنا بأمثال جمعه الماجد.