أجل، لماذا لا نعيد النظر في المناهج التعليمية لتدريس مادة الدين، سواء من حيث المحتوى أو الاسلوب؟ ان المراجعة مطلوبة بالحاح كاستجابة علمية وتربوية صحية لتكون تقوى الله وحاكميته المطلقة في الكون هما القوة الاساسية المحركة لعملية التفكير في عقول اجيال المسلمين المستقبلية، لا كتلبية سياسية لتوجيهات من اعداء الاسلام والامة الاسلامية بهدف تحجيم الدين واقصائه عن الحياة اليومية للمسلمين. ان على المؤمن ان يكون «بصيراً بزمانه» كما علمنا الرسول عليه افضل الصلاة وأتم التسليم. ولان الاسلام دين كل زمان الى يوم القيامة فإن باب الاجتهاد في تفسير النصوص القرآنية والحديث الشريف لا يغلق حتى تتجدد التفاسير وفقا لتوالي العصور واختلافها حتى يكون الفرد المسلم في كل زمان بصيرا بزمانه حقا. اسوق هذه المقدمة لاصل الى ان المطالبات الاصلاحية في العالم الاسلامي بمراجعة المناهج المدرسية لتعليم مادة الدين لم تنقطع، خاصة فيما يتعلق بالمعاهد الدينية الصرفة. والآن، وفي عصر ثورة المعلومات وثورة الاتصالات وزحف العولمة الاقتصادية وما يتبعها من عولمة ثقافية، فإن هذه المطالبات تتخذ اهمية اكثر من اي وقت مضى ولكن بشرط ان تنطلق من دوافع تربوية ايمانية، لا من قوى خارجية ترى في الاسلام خصما حضارياً. وبغض النظر عن تفاصيل المناهج الدينية المدرسية في العالم الاسلامي واساليب التدريس، فإن الغاية المنشودة في نهاية المطاف هي ان تخرج لنا المدارس والمعاهد اجيالا متتابعة ذات ذهنيات مشبعة بخاصية التفكير الموضوعي السوي بقدر ما هي مفعمة بالايمان الغيبي، لا ذهنيات غوغائية، ولن نبلغ هذه الغاية إلا بتوافر شرطين: أولا ربط العلوم الطبيعية بقدرة الخالق وحكمة الخلق، بحيث انه كلما تدرجت عقلية الطالب في استيعاب الرياضيات والكيمياء والاحياء والفيزياء كلما استبانت له القدرة الالهية اللامحدودة. وثانيا، نبذ التلقين كوسيلة للتدريس ليحل محله اسلوب المشاركة الذكية بين المعلم والطالب. غير ان ما تريده الولايات المتحدة من خلال دعوتها المشبوهة، على خلفية الحملة العالمية لمكافحة الارهاب، الى حكومات العالم الاسلامي لتغيير المناهج التعليمية لمادة الدين الاسلامي، هي بالضبط نقيض الغاية المطلوبة في المجتمعات الاسلامية. ابتداء تنطلق الدعوة الامريكية من موقع عداء راسخ للاسلام كنظام شامل للحياة ومحرك اساسي للسلوك اليومي للافراد والجماعات في مجتمعات الامة الاسلامية، ولهذا فإن هذه الدعوة ليست موجهة ضد وسائل التدريس وانما هي في الحقيقة موجهة ضد مرتكزات العقيدة الاسلامية نفسها بما يؤدي الى بروز اجيال مستقبلية مدجنة حضاريا في العالم الاسلامي. وما من شك ان الادارة الامريكية جندت خبراء لوضع وثيقة مفصلة في هذا الصدد لتقدم الى الحكومات الاسلامية، وبوسعنا ان نتصور ان هذه الوثيقة سوف تنطوي مثلا على مطالبة باسقاط فريضة الجهاد من مناهج التعليم المدرسي أو اعادة تفسير النصوص القرآنية والاحاديث الشريفة في شأن الجهاد لتجريده من مضمونه، بما يخدم الهدف الامريكي لكسر شوكة الامة الاسلامية. ان مثل هذه الدعوة ليست امراً جديداً تماماً. فكلنا نذكر كيف رفضت الحكومة المصرية طلبا اسرائيليا باسقاط الآيات القرآنية الخاصة باليهود وبني اسرائيل من مناهج التعليم المصرية. ان الاسلام كما نعلم جميعا دين يدعو الى السلام والبر والمودة حتى في التعامل مع غير المسلمين. لكنه ايضا، وبنفس القدر، يدعو الى الدفاع عن كرامة الفرد والمجتمع وردع الاعتداء.