قبل سبعة أعوام، طرحت مجلة «الحوار» التي تصدر في واشنطن منذ العام 1989، فكرة تأسيس «مركز الحوار العربي» .ورغم إعجاب البعض بالفكرة، فإن معظم من سمع بها آنذاك كان يؤكد استحالة تطبيقها عملياً: فكيف يمكن وضع مجموعة من العرب في قاعةٍ واحدة وطرح مواضيع جادة عليهم دون أن ينتهي النقاش إلى عراكٍ أو خلافاتٍ شخصية؟! كانت هذه مقولة معظم من طرحت مجلة «الحوار» عليهم فكرة تأسيس المركز.كان البعض يتساءل عام 1994: كيف تريد مبادرة من مجلة «الحوار» أن تصلح في أسلوب التعامل بين العرب إذا كانت قيادات لجمعيات عربية في أميركا تتصادم مع بعضها البعض، وأبناء كل جالية منقسمون على أنفسهم سياسياً، وأحياناً على أساس أصول مناطقية أو طائفية؟ وكيف تريد «الحوار» حواراً هادئاً بين العرب إذا كان الانقسام في المنطقة العربية قد تحول من صراع حكوماتٍ إلى صراعات أهلية؟ هكذا كانت الأجواء المحيطة بإطلاق فكرة تأسيس «مركز الحوار العربي» عام 1994، بل إضافةً لذلك، كان عام 1994 هو في صلب مرحلة الاتفاقات مع إسرائيل وبدء الحديث عن «الشرق أوسطية» كبديل للهوية العربية، وعن التطبيع مع إسرائيل كبديلٍ عن العلاقات الطبيعية بين العرب أنفسهم. باختصار، كان الحوار بين العرب وغير العرب نشِطاً وجارياً في كل مجال، بينما الحوار بين العرب أنفسهم مقطوع ومُعطل في أكثر من مجال. عكس التيار وكان ردّ مجلة «الحوار» آنذاك: إن هذا الظلام والسواد القاتم في العلاقات العربية ـ العربية يؤكد أهمية إشعال شمعة مهما كان حجمها.. وأينما كان مكانها. أمور كثيرة أدركها المتفاعلون مع تجربة «مركز الحوار» في مسيرة السنوات السبع الماضية، وفي ندواتٍ تجاوز عددها الـ 460 ندوة، بدايةً في الحوارات العميقة حول الهوية وحول المفاهيم وحول الثقافة العربية والحضارة الإسلامية، ثم حول قضايا سياسية كثيرة بعضها عربي عام وبعضها وطني خاص ببلدان عربية محددة. وينتمي المشاركون في ندوات «مركز الحوار»، إلى أوطانٍ عربية متعددة وإلى اتجاهاتٍ فكرية وسياسية مختلفة، وإلى تنوعٍ أيضاً في الطوائف والمهن والأعمار والمستويات العلمية، لكن يشترك الجميع في الحرص على الهوية الثقافية العربية وعلى أهمية أسلوب الحوار للتعامل مع الموضوعات ولتبادل الأفكار والآراء. في مسيرة 7 سنوات أقام المشتركون في المركز حالةً نموذجية لما يحلمون به للمنطقة العربية من مراعاة للخصوصيات لكن في إطارٍ تكاملي عربي وبمناخٍ ديمقراطي يصون حرية الفكر والرأي والقول.فلقد جسدت تجربة المركز حالة مختبرية «تماماً كما هي المختبرات العلمية التي تقيم التجارب لتصل إلى القوانين الصحيحة» لِما هو منشود للعرب جميعاً. والحمد لله، نجحت هذه التجربة في الاختبار، بل أصبحت الآن قيد التطبيق في أماكن أخرى عديدة داخل أميركا وخارجها، فهناك مراكز ونوادٍ تأسست الآن في أكثر من مكان «ولا علاقة لها من الناحية التأسيسية أو الإدارية مع مركز الحوار»، كلّها تبنت الفكرة وأخذت من «مركز الحوار» ومطبوعاته وموقعه على الإنترنت ما هو أساس لبدء تجارب شبيهة. إن تجربة «مركز الحوار العربي» بدأت عام 1994 عكس التيار العربي الذي كان سائداً آنذاك، تيار التسليم بواقع الشرذمة العربية وتيار التخلي عن الهوية العربية وتيار التيئيس من الأمة ومن شعوبها ومن شبابها.. وبشكلٍ معاكس لكل هذا التيار كانت «سباحة مركز الحوار» وموضوعاته وأنشطته، والتي كان من ضمنها على فترة سنتين لقاءات خاصة بالشباب العربي في منطقة واشنطن والتأكيد على الأمل بهم لمستقبلٍ عربيٍ أفضل. وحدة الانتماء مركز الحوار هو الآن ندوات دورية أسبوعية في منطقة واشنطن، وهو أيضاً مطبوعة دورية باللغتين العربية والإنجليزية تصل إلى أفراد وجماعات مهمة داخل أميركا وخارجها، والمركز هو أيضاً الآن موقع على الإنترنت فيه توثيق لكل تجربة «الحوار» ولبعض ندوات المركز وبعض مواد المجلة، والكثير من المواضيع التي تساهم في طرحٍ صحيح للقضايا العربية، وكان آخر ما أضيف على موقع الإنترنت، «صفحة إلكترونية» خاصة عن الانتفاضة الفلسطينية، هي في الواقع مجلد من الموضوعات والصوَر والتعليقات باللغتين العربية والانكليزية، إضافة لصفحة خاصة عن أميركا والعرب بعد أحداث 11 سبتمبر. هذا هو المثلث الذي يعمل من خلاله الآن «مركز الحوار العربي» في واشنطن، وهو مثلث متكامل في عمله وفي نتائجه وفي آثاره، إذ لولا وجود مجلة «الحوار» منذ عام 1989، لَما أمكن وجود تجربة «مركز الحوار العربي»، ولولا موقع «الحوار» الآن على الإنترنت، وعمره حالياً 5 سنوات، لَما وصلت وتصل هذه التجربة إلى عشرات الألوف الذين شاهدوا الموقع ويتابعونه دورياً في أميركا وأوروبا والمنطقة العربية. أنّ بداية تجربة مركز الحوار العربي لم تكن فقط يوم افتتاح مقرّه في 18 ديسمبر عام 1994 .. بل كانت عملياً قبل ذلك بسنتين أي منذ عام 92 بعد أن نشرت مجلة «الحوار» افتتاحية بشكل نداء للمفكرين العرب، كان عنوانها: «الأمّة التي لا يفكّر لها أبناؤها تنقاد لما يفكّر لها الغرباء» . وعقب ذلك، بادرت مجلة «الحوار» إلى الدعوة للقاءات دورية شهرية بين عدد من المفكرين العرب المقيمين بواشنطن. أشير إلى ذلك لأؤكّد اهتمام تجربة مركز الحوار العربي بالشأن الفكري وبضرورة القناعة بأنّ وجود تعددية فكرية في أي مجتمع تتطلب أيضاً تعددية سياسية في حياته العامة. فوحدة الانتماء الحضاري ووحدة الانتماء الثقافي لا تعنيا إطلاقاً وحدة الانتماء الفكري أو وحدة الانتماء السياسي.. ولا يجوز أن يكون اختلاف الفكر والتوجه السياسي سبباً للخلاف بين الأشخاص أو لصراعات عنفية بين الجماعات في المجتمع الواحد. إن تعميق الهوية الثقافية العربية ومضمونها الحضاري النابع من القيم الدينية، أساس لبناء أي دور عربي مستقبلي أفضل في أي مكان.كذلك بالنسبة للعرب في أميركا حيث لا يمكن تحقيق دور عربي فعّال في المجتمع الأميركي ما لم نحقق أنفسنا أولاً.وتحقيق الذات لا يمكن أن يتم في فراغ فكري وثقافي، فـ «فاقد الشيء لا يعطيه»، ولا يمكن تحسين «صورة» العرب والمسلمين في أميركا ما لم يتحسن وضعنا أولاً: فكراً وأسلوباً.فتحسين «الأصل» هو المدخل لتحسين «الصورة». أن مركز الحوار العربي «لا يبيع المياه في حارة السقائين»، فالمراكز الدينية العربية في أمريكا هي مهمة جداً، لكن من يتردد عليها يدرك أهميتها أصلاً، بينما دور «مركز الحوار العربي» يتمم عمل هذه المراكز، حيث يتفاعل مع «الحوار» الكثير من أبناء الجالية العربية الذين لا يدرك بعضهم أهمية البعد الحضاري الديني والقيم الدينية في الحياة العربية العامة. مهمة مزدوجة وإذا كان الغرب تحكمه الآن حالة «الجهلوقراطية» عن الإسلام والعرب والقضايا العربية، فإنها فرصة مهمة «بل هي واجب» على العرب والمسلمين في الغرب أن يتعاملوا مع هذه الحالة «بأسلوب الحوار الهادئ والمقنع» لاستبدال «الجهلوقراطية» الغربية بالمعرفة الفكرية السليمة عن الإسلام والعرب. لكن «فاقد الشيء لا يعطيه»، لذلك هي أولوية موازية لأولوية التعامل المعرفي مع «الآخر»، بأن يعمل العرب والمسلمون في أمريكا والغرب على تعميق معرفتهم بأصولهم الحضارية والثقافية وبالفرز بين ما هو «أصيل» وما هو «دخيل» على الإسلام والثقافة العربية.كذلك، فمن المهمّ التشجيع على أسلوب الحوار الدائم بين المؤسّسات والهيئات العربية والإسلامية في أميركا والغرب، وبين غيرها من المؤسّسات في هذه المجتمعات، إضافةً إلى الحوار المباشر عبر الإعلام والإنترنت واللقاءات الخاصة. هي مهمة مزدوجة الآن أمام العرب والمسلمين في أمريكا والغرب وفي كل مكان: تحسين وإصلاح الجسم «الواقع» بشكلٍ متزامنٍ مع تحسين وإصلاح »الصورة»، وبناء الذات السليمة مع بناء المعرفة السليمة لدى النفس ولدى الآخر. ولعل هذه المسائل كانت من دواعي تأسيس «مركز الحوار العربي» عام 1994 وعدد آخر من المنتديات الفكرية والثقافية العربية والإسلامية في أكثر من مكان، إضافةً إلى وجود مؤسسات وجمعيات حركية تعمل على الساحات السياسية والإعلامية .. فالمرحلة الآن - وربّما لفترةٍ طويلة - هي مرحلة إقناع المواطن الأمريكي والغربي عموماً، بمن نكون «نحن» أكثر ممّا هي «ما الذي نريده»، وهي مرحلة تضعنا أمام خيارين: إما السقوط أيضاً مع الغربيين في فخ نظرية «صراع الحضارات» و«الخطر الإسلامي» القادم من الشرق، أو محاولة انتشال بعض هذا الغرب من هذا الكمين الذي تستفيد منه فقط إسرائيل وكلّ أعداء العرب والمسلمين. ان «مركز الحوار العربي» حقق، ويحقق، الأهداف التالية: ـ الدور الأفضل في إطار المجتمع الأمريكي من خلال: أ- بناء المعرفة السليمة للنفس وللآخر، وفي مجالات الفكر والثقافة والسياسة. ب- ممارسة أسلوب التحاور الجاد والهادئ. ج- الحوارات الدورية التي يقيمها المركز باللغة الانكليزية والتي يشارك فيها عدد من الأمريكيين المهتمين بالشئون العربية والإسلامية. * المعرفة الأفضل لمعنى العروبة وللهوية الثقافية العربية، وللتلازم بين العروبة ومضمونها الحضاري الإسلامي الذي يشمل العرب المسلمين وغير المسلمين منهم. * الأسلوب الأفضل للحوار بين العرب وبناء قواعد وضوابط للتحاور وتبادل الآراء. ان «مركز الحوار العربي» هو تجربة متواضعة بإمكاناتها، لكنها تعتز بدورها النوعي وبأسلوب الحوار فيها القائم على مخاطبة العقل والفكر، بدون أي قيد، إلاّ شرط الاحترام المتبادل للأشخاص والآراء معاً. فالاختلاف بين البشر سنة الله تعالى، ومن واجب المؤمنين بالله - أينما كانوا - البحث عن كلمة سواء مع الآخرين والقول الحسن بأسلوب الكلمة الطيبة.. وهذا ما يحصل في مركز الحوار العربي الذي تجتمع فيه حكمة الاختلاف بين البشر مع الكلمة الطيبة في الحديث والحوار، كأسلوب وحيد للتعامل مع هذا الاختلاف.. ـ مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن