مع الايام الاولى من عام 2002 الحالي طرحت مجلة الايكونومست البريطانية اولى مطبوعاتها التي تحاول فيها قراءة ـ أو بالأدق استقراء الاتجاهات المستقبلية التي ينطوي عليها العام الجديد اول هذه المطبوعات يتعلق برصد تيارات المستقبل على ان يتلوه، ربما في غضون اسابيع كتيب دقيق الحجم تصدره المجلة الانجليزية حاويا احدث ماتوصلت اليه مراصدها من احصاءات وارقام حول الظروف الاقتصادية ـ الاجتماعية في اقطار العالم مما يساعد الباحث بل والقارئ المهتم على تكوين رؤية متكاملة اوشبه متكاملة لما يدور من حوله سواء على الصعيد القطري او الاقليمي او العالمي. في دراسة اتجاهات العام الجديد تحيل مراصد الايكونومست الى خمسة محاور اساسية هي.. اوربا وامريكا والعالم الاسلامي والارهاب والمجتمع المدني. وقد اختارت كلا من هذه المحاور في ضوء التطورات التي استجدت في الاشهر الاخيرة ولاسيما بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر التي هزت ارجاء أمريكا وتجاوبت اصداؤها، وقد لاتزال تتجاوب في شتى انحاء العالم بكل ماترتب عليها من نتائج عسكرية واقتصادية وسيكولوجية فضلا عن انعكاسات هذا كله على صيغة العلاقات القائمة على مستوى الدول وجماهير الشعوب وانساق الثقافات والحضارات ومع ذلك.. فنحن ندرك ان قارعة ايلول التي اجتاحت أمريكا لم تكن وحدها معيار هذا الاختيار فمن المعروف ان التطورات في أوروبا وقد افضت بها مع غرة هذا العام الى عملة اليورو الموحدة كانت سابقة على أحداث سبتمبر وبالطبع كانت تطورات وأوضاعا أصيلة في السياسة الاوروبية بفضل دأب أوروبا واستجماعها ارادتها على الفعل السياسي الايجابي والمفيد وكذلك الحال مع قضية المجتمع المدني وهي مطروحة في السنوات الاخيرة وخاصة في ضوء التطورات التي استجدت مع تهاوي ومن ثم زوال الكيان السوفييتي في مقتبل التسعينيات وماصاحب ذلك من ارتفاع الدعوات الى المشاركة والممارسة والتحولات الديمقراطية. في حالة أمريكا والعالم الاسلامي كانت نظرة محللي الايكونومست تطل على هذين الكيانين من المنظور الذي صاغوه وفق مصطلحات الظاهرة التي أطلقوا عليها وصف الارهاب وخاصة بالنسبة للولايات المتحدة التي توقعوا لها ان تعيش أو تكابد عاما جديدا (2002) تحت طائلة الخطر (بنص تعبيرهم) ومن ثم كان اتصال هذا الموضوع بالمحور الاخر المتعلق بالاثار الاقتصادية الناجمة في رأي الايكونومست عن (الارهاب) فضلا عن الموضوع الاخر الذي يتعلق ربما في نوع من الارتباط الشرطي. كما قد نسميه.. ربما اطلقت عليه المطبوعة الانجليزية الرصينة وصف (عالم اسلامي حديث). على صعيد البعد الأول ـ وهو البعد الأوروبي من محاور هذا الرصد المستقبلي تقف الايكونومست عند طرح اليورو ـ عملة أوروبية موحدة مع اول أيام العام الجديد في ظل تعامل تجريبي ممتد على طول الشهرين القادمين بحيث يأتي شهر مارس المقبل ليشهد اليورو عملة موحدة ـ ووحيدة ايضا على كل مستوى الاثنتي عشرة دولة الداخلة في اطار الاتحاد الأوروبي وبرغم ان البريطانيين مازالت لهم تحفظات على هذا الاجراء النقدي الموحد على الاقل في الظروف الآنية الراهنة فإن اليورو يشكل ـ في رأي (جوشكا فيشر) وزير خارجية ألمانيا (مشروعا سياسيا بالدرجة الأولى) بمعنى انه ليس مجرد اجراء نقدي أو بنكي بقدر ما انه رمز لعملية التكامل في أوروبا الغربية وقوة دافعة لآلياتها (نحو الوحدة الكاملة). وفي هذا تستشرف الايكونومست افاق المستقبل حين تقول: ـ عندما تضع الحرب في افغانستان أوزارها وتصبح امرا منسيا في زوايا التاريخ، سيكون هذا الاجراء (المتعلق بطرح اليورو الموحد) قد أدى ـ في صمت ـ الى تحولات موازين العالم. اليورو وقمة مسقط ومن المصادفات السياسية ـ الايجابية في رأينا أن جاء طرح اليورو متفقا من ناحية الزمن مع ما انتهى إليه الاجتماع الهام الاخير لمجلس التعاون لدول الخليجي العربية في سلطنة عمان الشقيقة من تحديد مدة زمنية قوامها 8 سنوات يتم بعدها طرح العملة الخليجية النقدية الموحدة. ورغم ان هناك من المراقبين السياسيين من يدعو الى التحوط فيما يتعلق بطرح العملة الخليجية الموحدة على اساس المقارنة بين السنوات الثمان المحددة للوصول اليها وبين السنوات الخمسين التي قطعتها مسيرة الوحدة الأوروبية عبر أشواط عديدة ومتدرجة وفي مقدمتها تطويع وتكييف البني الاقتصادية والمرافق المالية المؤسسية في دول اليورو وصولا الى طرح العملة المذكورة منذ أيام ـ رغم هذا فان استجماع الارادة السياسية وخاصة على مستوى القمة واستيعاب الدروس المستفادة من تجربة الوحدة الأوروبية ذاتها تعظيما لايجابياتها وتحشيا لاخطائها ـ كل هذا من شأنه أن يكفل عناصر العقلنة والموضوعية ومن ثم امكانيات النجاح بالنسبة للتجربة الخليجية المرتقبة. الدولار يقف بالمرصاد مع هذا كله فمازال الدولار الأمريكي في رأى محللي الايكونومست ـ يقف بالمرصاد لليورو الأوروبي الوليد وفي هذا يقول هؤلاء المحللون: ان نجاح (أو فشل) اليورو لن يتحدد مستقبلا من خلال سلاسة تداوله ما بين البرتغال وفنلندا (طرحوا 14.5 بليون ورقة مالية و50 بليون عملة نقدية في أول اصدار من اليورو) ولكن النجاح أو الفشل الاوروبي سوف يتقرر على اساس القيمة التي سوف يكتسبها اليورو ازاء الدولار الأمريكي وحين يهل على العالم النصف الثاني من عام 2002 الحالي يكون الأوروبيون قد تحققوا على مدى تجربة الاشهر الستة الأولى من العام من قدرة عملتهم الموحدة الجديدة على أن تضيف مدماكا أو لبنات أخرى الى صرح الوحدة الأوروبية التي ظلوا عاكفين على بنائها وتطويرها عبر سنوات نصف قرن مضى من عمر زماننا. وفي ضوء هذه الاهمية المولاة لليورو في حسم مصير الوحدة الأوروبية ارتفعت أصوات بدعوات الى اقامة مؤسسات مختصة بهذا الشأن النقدي ـ الاقتصادي.. ومن هذه الاصوات السيد رومانو برودي رئيس اللجنة الأوروبية الذي يطالب بانشاء مايسميه (حكومة اقتصادية) من أجل أوروبا الموحدة. وفي كل حال فقد جاءت العملة الأوروبية الموحدة لتجسد حلما أوروبيا ظل يراود خواطر العديد من القادة والزعماء يستوى في ذلك شارلمان في الزمن القديم وبونابرت في العصر الحديث. ثم جاءت على الحلم احيان من الدهر ـ وخاصة في عقد السبعينات من القرن العشرين بدا فيها قادة اوروبا انفسهم وكانما صرفوا النظر عن حكاية العملة الاوروبية الموحدة وربما كان الأمر يرجع الى ان العقد السبعيني المذكور كان يشهد سياسة عرفت وقتها بسياسة الانفراج ـ الوفاق الدولي بين معسكري الشرق والغرب مماشغل ساسة أوروبا عن متابعة الحلم النقدي المذكور.. وربما عاود هؤلاء الساسة والزعماء متابعة الحلم في عقد التسعينات بعد غروب شمس الاتحاد السوفيتي أي بعد زوال الخطر الذي كان يمثله الكرملين الشيوعي بجبروته العسكري وتحدياته العقائدية ومن ثم وجدت أوروبا الغربية نفسها ـ لأول ـ مرة بعد الحرب العالمية الثانية ـ بمنأى عن اخطار الشيوعية.. مذهبا ونظاما ومعسكرا ـ وبالتالي تعتبر بحاجة ماسة الى درع الحماية الأمريكية أو فلنقل بحاجة الى نفي شخصيتها المتكاملة وانجازات تجربتها الخاصة التي بدأتها منذ عقد الخمسينات على طريق التكامل والتدامج والتواحد.ولقد تجسد مجمل هذه الاتجاهات في اجتماع القمة الأوروبية الشهير المعقود بمدينة ماستريخت في هولندا عام 1991 حيث نال مشروع الوحدة الأوروبية دفعات منشطة سارت به خطوات فعالة الى الامام وكان في مقدمتها قرار طرح العملة الاوروبية الموحدة في مدى زمني قوامه عشر سنوات وبعده أوفت أوروبا بوعدها لشعوبها فكان اليورو الجديد: عملة وانجازا ورمزا في آن واحد حيث لم تكن أوروبا قد شهدته ولا تعاملت به منذ أيام الامبراطورية الرومانية. مع ذلك فمن الدروس التاريخية الواقعية التي ندعو الى الافادة من عبرتها بالنسبة لتجاربنا في منطقة الخليج وربما على الصعيد المغاربي ايضا ضمن الوطن العربي الكبير، أن العملة النقدية الموحدة بحد ذاتها لا تضع أو لا يكفي أن تضع تكاملا متينا أو بنيانا وحدويا وطيد الاركان أو كما تعبر (الايكونومست) في أحدث اعدادها الصادرة (2002/1/11) فتقول: ـ ان الزواج النقدي لا يفضي بالحتم الى اندماج سياسي. دروس التجارب السابقة وهذا صحيح حيث تدل تجربة وحدة النقد بين بلدين في أوروبا مثل بلجيكا ولوكسمبرغ أو بين عدة أقطار في منطقة غرب أفريقيا على أن مجرد طرح عملة نقدية واحدة لم يفض بها الى أي نوع من أنواع الاتحاد السياسي ناهيك عن الوحدة وعند الطرف الآخر من القضية تدل التجربة التاريخية ايضا على ان الاقتصار على الوحدة النقدية دون مواصلة الشوط قدما الى حيث الاتحاد السياسي كفيل بان يقوض أركان وحدة النقد ذاتها بل قد يفضي بها الى الاندثار والزوال ألم تر مثلا الى تجربة الاتحاد النقدي الذي كان قائما بين كل من فرنسا وبلجيكا وسويسرا وايطاليا واليونانا وبلغاريا على امتداد فترة طويلة في العصر الحديث وبالتحديد بين عامي 1865 و1914؟ هذا الاتحاد النقدي عاش سنواته التي قاربت نصف القرن مالبث ان انقض بنيانه مع قيام الحرب العالمية الأولى فكان ان دفنت ذكرياته وطمرت انجازاته في خنادق أول صراع دولي شهده القرن العشرون. ومن دروس التجربة الأوروبية ايضا أن اليورو استغرق ثلاث سنوات كاملة لكي يتحول من مجرد قرار سياسي وسيادي الى عملة تتداولها الأيدي أو أوراق بنكنوت يصرفها المتعاملون من ماكينات النقد السريع عند زوايا الشوارع. وعندما جاء عام 1999 كانت اسعار الصرف الوطنية في 11 دولة أوروبية قد تم تحديدها وتثبيتها لتشكل منذ ذلك الحين وحدات فرعية من اليورو الأوروبي الموحد. وفي يناير من عام 2001 انضمت اليونان الى هذه المجموعة لتصبح الدولة رقم 12 من دول اليورو الموحد. وخلال تلك السنوات الثلاث (19992002) كان القوم قد انشأوا مؤسسة جديدة هي البنك المركزي الأوروبي الذي عكف بالطبع على الترتيب لطرح العملة المنشودة وعلى تحديد سعر فائدة موحدا يصدق على منطقة اليورو بأسرها ومن ثم واصلت كبرى المؤسسات والشركات في المنطقة المذكورة تنشر ميزانياتها وكشوف حساباتها اليورو ولفترة طويلة قبل أن يصبح في أول يناير الحال (حقيقة واقعة) كما تقول (الايكونومست) من حقائق الحياة. مع هذا كله فالرياح لا تجري رخاء بشكل دائم ومسيرة أوروبا ـ الاقتصادية والنقدية بالذات ليست بغير تحديات وعقبات من أجلها لا يزال المراقبون السياسيون والمحللون الاقتصاديون يضعون ايديهم على قلوبهم. تحذيرات الخبراء ولمرة أخرى فالدرس المستفاد في هذا الخصوص يقول ببساطة: ان اي انجاز يتم لابد من حراسته وينبغي احاطته بأسوار من المناعة والتحصين ضد أي نتائج غير متوقعة. وأي انجاز لا يحقق المنفعة تلقائيا بل ينبغي استثماره عن وعي بامكانات ايجابياته (بعوامل) قصوره على السواء. وأي انجاز لا يجوز ان يترك لمجرد الصدفة أو للنوايا الطيبة أو لمبادرات الأفراد ولكن الضرورة تقتضي العمل على تفعيله وتطويره وبشكل جماعي ومؤسسي قائم على الوعي المستنير بمستجدات اللحظة التي يجتازها عالم اليوم. وفي ضوء هذا كله فالخبراء يوجهون الخطاب الى أصحاب خيار وتجربة اليورو الأوروبية قائلين: ـ حسنا ما انجزتم في مضمار الوحدة النقدية فذلك انجاز لا استهانة به ولا تهوين من شأنه لكن ينبغي المبادرة الى اصلاحات على مستوى الاستراتيجيات (الاقتصاد الكلي ـ الماكرو) وعلى مستوى الخطط والبرامج والسياسات (الاقتصاد الجزئي ـ الميكرو).من ذلك مثلا ضرورة رفع الحماية المصطنعة المسبغة على الصناعات في بعض بلدان الاتحاد الأوروبي بما يفتح باب المنافسة على عنصري الجودة والسعر بعيدا عن مغبة الحمائية التي اضرت بتكامل السوق وفعالية نشاطها وضرورة المزيد من تحرير أسواق العمالة في اقطار اليورو وضرورة سد أوجه العجز في موازنات البعض من تلك الاقطار وخاصة في ألمانيا وهي تشكل ـ مع جارتها فرنسا ـ واحدة من أهم قاطرتين تندفع بهما مسيرة التكامل الأوروبي على طريق الوحدة. ومن المحللين من يرجع اسباب العجز في الموازنة الألمانية الى ذيول تجربة توحيد شطري ألمانيا وبالتحديد الى الاعباء التي تحملتها برلين نتيجة انضمام الشطر الشرقي من البلاد (ألمانيا الديمقراطية سابقا) الى الدولة الألمانية الواحدة وأيا كانت الاسباب فمازالت ألمانيا مطالبة بالوصول الى ميزانية متوازنة ومتعافية من آفة العجز مع حلول عام 2004 وهو رهان ليس بالميسور وان كان ضروريا من أجل حماية عملة اليورو الوليدة من العواصف والأنواء. من ناحيتها ـ فان فرنسا، الموتور ـ القاطرة الاخرى بدأ اقتصادها يعاني عددا من التقلصات التي نجمت في معظمها عن دخول اقتصادها حالة من التباطؤ ثم الركود مما أفضى ـ كما تقول أحدث الاحصاءات ـ الى نسبة 9 في المائة من البطالة وبحجم يصل الى نحو 2.5 مليون عامل وموظف فقدوا اعمالهم ولدرجة ان ظهرت الدوريات الاقتصادية الفرنسية المتخصصة تحمل عناوين بارزة تصف الموسم البارد الراهن على النحو التالي: ـ انه شتاء الركود المخيم والبطالة المتصاعدة. ورغم انه ثمة مشاكل هيكلية وبعضها مشاكل اساسية بل مزمنة تصيب الاقتصاد في اقطار لها مكانتها في مسيرة الوحدة الأوروبية مثل ألمانيا أو فرنسا، فان المحلل السياسي أو الاقتصادي لا يسعه أن يتجاهل ان ثمة مشاكل المت باقتصادات هذه الاقطار الأوروبية جاءتها عبر المحيط الأطلسي ناجمة عما اصاب الاقتصاد الأمريكي منذ مارس الماضي من علة الركود الذي مالبثت ان تفاقمت اثاره بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر في مدينة نيويورك على وجه الخصوص. عند هذا المنعطف من الحديث ينقلنا الى المحور التالي من هذا المبحث وهو المحور المتعلق بأمريكا ويحمل عنوانا يقول: الحياة في زمن الخطر ـ كاتب سياسي من مصر