يبدو أن تطور الحياة وتعقيداتها المتلاحقة، وإملاءاتها المتتالية قد جعلت الإنسان في حالة دائمة من السخط والاحتجاج والتمرد على أوضاعه الحياتية، وواقعه المعيشي. وكثير من الناس ينظر الى الاحتجاج، أو التمرد على انه مسألة بسيطة لا تحتاج لمجهود عظيم، وقناعات راسخة لتخطيها، وتحمّل كامل المسئولية لعواقب المغامرات السلوكية. لكن في نهاية الأمر تبقى المشكلة كامنة في عدم فهم المرء للمناخ العام ومدى استيعابه لمعنى الحرية الانسانية وعدم تسلقه على تجارب الآخرين فيقع في دائرة الادعاء والثرثرة والفزلكة الكلامية. اتصل بي صديق، ذات مرة، راجياً حضوري لأمر مهم، ولما ذهبت إليه، أخبرني بأنه سوف يستقيل من وظيفته لأنها لا تستوعب قدراته المهارية، وسوف يطلّق زوجته التي لا تناسب عبقريته الذهنية، ضارباً بعرض الحائط أولاده، لاعتقاده بأنهم ميراث اجتماعي يعيق مسيرته المظفرة، ثم ما المانع أن يكون هاتفه ذا كاشف رقمي، حتى ينتقي ما يريده من مكالمات.. وأخيراً سيغيّر جنسيته بعدما يئس من عالمه العربي. هرشت رأسي عجباً والأفكار تتوالى في مخيلتي عن هذا الكائن الغريب الذي يحاول أن يخرج من جلده ويتخطى تقاليد السلوك الانساني السوي. قلت له مستغرباً وماذا بعد؟ فأجاب بخلفية ثقافية وكأنه واثق من نفسه: لست بأقل من الدادئيين الذين افترشوا أرصفة أوروبا، ولاذوا بالعلب الفارغة، وتذاكر الترام الممزقة، والأحذية القديمة المهترئة، وأقاموا معارضهم التشكيلية عبر بوابات دورات المياه العمومية، كتعبير عن جهالة الحرب العالمية الأولى، وعبثية جدواها، ورفضهم لهلاك الانسان بذرائع واهية ووهمية. ضحكت وقلت له: هل تريد أن تكون مثل واحد من هؤلاء الدادئيين دون أن تعرف من أين أتوا بكلمة «دادا»؟ قال: لا أعلم، إني بحاجة إلى أية تسمية أواجه بها مجتمعي، أبرر بها سلوكي، ووجهة نظري لهذا الاحتجاج الهادر في دمي وعقلي، فربما ظفرت بأتباع ومريدين.. وأصبحت صاحب مدرسة مثل هؤلاء القوم.. قلت كل ما فعلوه هو أن قام أحدهم بفتح قاموس، واضعاً اصبعه بطريقة عشوائية على أول كلمة تقابله، فكانت «دادا» وهي كلمة يطلقها أطفال فرنسا على لعبة «الحصان الخشبي»، فاتفقوا فيما بينهم على هذه التسمية العشوائية.. تهلل وجه صديقي، وقال الأمر بسيط ها هو معجم عربي، ففتحه، لتقع عيناه على كلمة «رزن» وهي تعني رفع الشيء، فلم يحلو له الاسم. أعاد المحاولة ليعثر على كلمة «العسجد»، فرح كثيراً ببشارة المعنى والمعدن.. لكنه أعاد الكرة ليفاجأ بكلمة «القماط» وهي تعني قماشاً «يحزم» به الطفل منذ ولادته.. وظل على حاله حتى غلبه النعاس.. فتركته على وعد بسهرة مماثلة.. تركته أسيراً لنهار جديد، هامساً في أذنه «العربية»: لا يحسد الثرثار إلا الأصم!!