مراسل شئون الشرق الأوسط في مكتب (بي.بي.سي) في القاهرة، أنهى فترة عمله هناك، ولم ينس قبل أن يخرج من قاهرة المعز أن يكتب ذكرياته وما تمتلئ به جعبته من مواقف ومشاهد وانطباعات خزنها في أدراج الذاكرة، وفتحها على مصراعيها في تقريره الأخير لشبكة الـ (بي.بي.سي). وعلى شاكلة (فرانك جاردنر) كثيرون في العالم الغربي من الذين يدسون السم في العسل، ويكتبون بخبث لا مثيل له، حتى لا تملك أيها القارئ العربي عندما تقرأ لهم سوى أن تعجب بموضوعيتهم وشفافيتهم وصراحتهم التي هي ليست سوى مخالب القط للوصول لأهداف أخرى، تماماً كما هي عادة الرسالة الإعلامية حينما تستهدف جمهوراً بفكر معين مرفوض أو غير مقبول فتغلفه بشكل جميل حتى يبدو كهدية مشعة ملونة بينما هي في الحقيقة هدية مسمومة!! فرانك جاردنر، مراسل شئون الشرق الأوسط في مكتب القاهرة، يكتب تقريراً بمذكراته فماذا يقول عن (أم الدنيا) ومالكة أكثر الحضارات عراقة وعظمة؟ ماذا يقول عن الإنسان، والتفاصيل، وماذا يقول عن أجواء الشرق عامة؟ كيف ينظر لإدارة العرب ولساستهم ولزعمائهم، ولشبابهم؟ «وأنا أخرج للمرة الأخيرة من مكتب (بي.بي.سي) في القاهرة، شاهدت جنود الحراسة الذين يقفون أمام المبنى وهم يحملون بنادقهم الصدئة وسألت نفسي عما سوف أفتقده في الشرق الأوسط»!! هذه هي بداية المذكرات، وقد نسي المراسل البريطاني أن هؤلاء الجنود ـ ببنادقهم الصدئة كما يقول ـ قد وفروا له ولزملائه حياة عمل ومعيشة آمنة ومطمئنة طيلة السنوات التي عب فيها من أمان مصر وأمنها، وأريحية إنسانها وشهامته، لكن روحه هو الصدئة، لم تر من ذلك سوى (البنادق الصدئة) وهو يغادر المكتب للمرة الأخيرة! فماذا سأفتقد في الشرق؟ هكذا يسأل، وكأنه يريد أن يقول وماذا هناك كي أبكي عليه أو أتذكره؟ سأغادر هذا الشرق الذي ليس فيه ما يستحق البكاء عليه؟ ولذلك يقول من باب (الانصاف) و(الموضوعية): «ربما يكون عطف المصريين وروحهم المرحة، وربما مذاق النرجيلة بطعم التفاح، أو ربما ملمس الرمال النقية الناعمة في الصحراء»!! إذن (ربما وليس من المؤكد) إنه سيفتقد روح المصريين المرحة، ذلك فقط ما يتذكره، أما بقية الأشياء التي حفرت في قلبه وبقيت فليست سوى مذاق النرجيلة بطعم التفاح، ورمال الصحراء! فهل هذا معقول؟ إذن أين مصر بكل زخمها وجمالها وحميميتها وتاريخها وثقافتها ومثقفيها، وفنها ومسرحها وحضارتها التي ما زالت تبهرهم حتى النخاع؟ أين ليالي القاهرة، وطعم السهر اللذيذ في أحيائها الشعبية؟ أين المرح والضحك والأمان و....؟ لم يأخذ معه في أكياس الذاكرة المثقوبة، سوى الرمال وطعم النرجيلة!! هل حقاً هذا ما سيفتقده فقط؟ إذن ما الذي لن يفتقده؟ دعونا نقرأ: «لكنني لن أفكر في أشياء لن أفتقدها، مثل الذباب الصامت في مصر الذي يحط على عينيك وشفتيك، ويرفض التحرك، أو البيروقراطية المجنونة في دول يديرها حكام مُسنون متسلطون» ولن يفتقد بطبيعة الحال: «التعصب الأعمى للمتشددين الإسلاميين الذين يحملون كل ما يحدث في مجتمعاتهم من كوارث للولايات المتحدة وإسرائيل» ولن يفتقد «اليأس المحزن لأجيال كاملة من الشبان العرب و...» هذا بالنص كما ورد في تقرير المراسل! وماذا سيتذكر؟ يقول بأنه سيتذكر حكاية الفتاة المغربية التي اعتدى عليها رب العمل فطردها أهلها لتعيش في الشارع! واليمني خاطف الرهائن الذي ساوم حكومته من أجل تعبيد طريق لمنطقته. وذكريات ذات مغزى لا يخفى عن رؤساء وزعماء عرب في المنطقة. التقرير مليء برسائل سيئة المغزى، فهل نقرأ لننتبه؟