هذا صباح جديد، مشرق، مفعم بالحبور. استيقظت أبكر مما توقعت بعد سهرة الأمس الحافلة التي جمعت الأهل والأصدقاء الحميمين. أصررنا على أن نجتمع، وأن بانتهاء سنة 2001، تلك السنة التي افتتحت قرنا وألفية، وتدللت أكثر مما ينبغي، وحملت لنا الكثير من الأفراح والأحزان، لكنها لم تشأ أن تفارقنا إلا بعد كارثة الحادي عشر من سبتمبر، تلك الكارثة التي لم يتقوض بها برجا مركز التجارة في نيويورك، بل تقوض الهدوء العالمي الذي لن يعود إلا بعد سنوات، وارتبكت الدنيا بأسرها، وتداعت التحولات التي تجعلنا نتحدث عن عالم ما قبل الحادي عشر من سبتمبر وعالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، وأول ملامح التغيير طوفان الدم الذي ابتدأ من انهيار البرجين ودفن آلاف الأبرياء تحت الأنقاض، وواصل تفجره مع قصف الأطفال الأبرياء والشيوخ المقعدين والنسوة البريئات في أفغانستان، بحثا عن جناة في بلدة اختلط فيها كل شئ، وأخذ البرئ بذنب الجاني. وها هو طوفان الدم يشمل الأرض العربية، ويتركز في فلسطين حيث يعربد السفاح شارون، مطيحا بكل القيم والأعراف، متجاوزاً كل الحدود، مطمئنا الى أن السيد الأكبر وامبراطور العالم الجديد قد أعطاه الضوء الأخضر كما لو كان يقول له: افعل بالفلسطينيين البسطاء والضعفاء ما شاءت لك الخسة وما سمح لك به التوحش اللاإنساني الذي تتمتع به. ويصل الأمر بعد ذلك الى ما يشبه سجن الرئيس الفلسطيني في محل اقامته، وعدم السماح له بالذهاب الى بيت لحم ليحتفل بميلاد السيد المسيح، فيبقى الزعيم في معتقله غير قادر على فعل أي شئ، وترتحل اليه مسيرة، كما ترتحل مسيرة أخيرة من بيت لحم الى القدس مطالبة بالعدل والسلام. ولا تصل المسيرة الأخيرة الى غايتها فالاستعمار الصهيوني بالمرصاد، والمنع من ممارسة أبسط الحقوق في الاعلان عن رغبة السلام هو شعار الطغمة الحاكمة من الارهابيين في اسرائيل. والوطن العربي كله، هذا التابوت الممدد من المحيط الى الخليج، ساكن يتفرج، عاجز عن فعل أي شئ، وما ذلك إلا لأن حكوماته عاجزة، فقدت القدرة على المبادرة، وخلت من كرامة الإرادة التي لابد أن تنفجر دفاعا عن حلمها بالسلام، ودفاعا عن نفسها إذا اعتدى عليها. ويجتمع وزراء الخارجية العرب وتنفض اجتماعاتهم لتبدأ من جديد.. النتيجة بيانات وبيانات، شجب كلامي واحتجاج ورقي، وتبرعات للبؤساء الفلسطينيين من الأثرياء، والدول العربية كلها لا تجرؤ على تحدي امبراطور العالم الجديد الذي أصبح يحكم الدنيا كلها بالحديد والنار تحت شعار مقاومة الارهاب. ومن الذي يمكن أن يكون مع الارهاب؟! نحن العرب الذين اكتوينا بارهاب المتطرفين منا، ووقفنا ضدهم رغم الدعم الذي تلقوه من امبراطور العالم الجديد في حربه مع الامبراطور القديم الذي كان يقاسمه الدنيا. ألم يتدرب هؤلاء الارهابيون في أفغانستان وفي صحراء نيفادا، عندما كان امبراطور العالم الجديد في حاجة اليهم للتخلص من منافسه القديم؟ ألم نكن نحن العرب البسطاء، خصوصا المثقفين منا، ننبه حكوماتنا، وننبه امبراطور العالم الجديد الى مخاطر اللعب بالنار؟! ألم يمت عشرات، بل مئات الأبرياء، بسبب إرهاب المتطرفين دينيا الذين حاولنا الوقوف في وجه أفكارهم؟ وماذا عن الإرهاب الذي يرفعونه اليوم شعارا؟! الارهاب شئ قبيح، لاشك في ذلك، وينبغي أن نقاومه بكل ما نستطيع، وقد فعلنا ذلك من قبل أحداث سبتمبر بسنوات وسنوات وبسبب هذه المقاومة، أغتيل عدد من أنبه رموز الثقافة المصرية، بل رموز الثقافة العربية، وكلنا يذكر فرج فودة، في مصر وعبدالقادر علولة في الجزائر. وكلنا يذكر محاولة اغتيال نجيب محفوظ، والأمثلة أكثر من أن تذكر. وقلنا، ولا نزال نقول، إن اليد التي امتدت الى رقبة نجيب محفوظ بسكين ملوث بالارهاب الديني لا تختلف عن اليد التي وجهت الطائرات الى برجي مركز التجارة العالمية، باعثة طوفانا من الجحيم والرعب والدمار. ولكن أليس هناك فارق بين الارهاب من أجل اغتصاب ما ليس بحق، تحت دعاوى كاذبة وغير عادلة، ومقاومة المحتل والسعي الى التحرر.. وهل نضع الفتى الفلسطيني الذي يقذف الحجر حالما بتحرير أرضه مثل الجندي المحمل بأحدث أسلحة الفتك من أجل الابقاء على الأرض المغتصبة؟! هل عرفات المسكين المحاصر في مقره، والجالس كالعجائز اللائي ينتظرن الفرج، مثل شارون الذي يتحرك منتفخا كالفيل، باعثا موجات الدمار والموت التي تنهال على الفلسطينيين موجة إثر موجة؟! أليست بطولة إنسانية لا مثيل لها أن يواجه الفلسطينيون ذلك، متحدين الدمار والفناء؟ كان عالم ما بعد سبتمبر بالنسبة لنا كابوسا متصلا، حلما كئيبا، لم تخرجنا منه تلك المسلسلات التافهة الغبية التي امتلأت بها التلفزيونات العربية في شهر رمضان الماضي. وجاء عيد الفطر المبارك غير مبارك هذه المرة، وسرعان ما مضى بعد أن أدرك أننا لم نفرغ له، وكيف نفرغ للعيد ونحن نرى على شاشات التلفزيون كل صباح ومساء ما يحدث لإخواننا وأخواتنا الفلسطينيين من مذابح وتفجيرات؟! نسينا فرحة العيد، وظللنا على انشغالنا بهم، كما نسى أخواننا وأخواتنا المسيحيون والمسيحيات فرحة قدوم عيدهم، ومضت الأيام لا تحمل سوى ما يثير الأسى ويبعث على الغضب. وظللنا على هذا الحال الى أن اقترب اليوم الأخير من العام، فانتفضت إرادة الحياة التي تستهل حضورها بانتزاع الفرحة من وسط الحزن، وقررنا أن نحتفل برأس السنة الجديدة، لعلها تكون فاتحة عام أفضل من ذلك الذي حمل أحزانه ورحل. وتهافتنا، والتقينا، وأصررنا على أن نحتفل بمشرق يوم جديد، مؤمنين بأن بعد الليل فجرا مشرقا، وأن الظلام لابد أن يتولد منه فجر جديد، واحتفلنا بالفعل، وانتزعنا الضحكات من صدورنا المكظومة ونفوسنا المرهقة، ودعنا العام المنصرم، وشيعناه بالغضب، وتوسلنا للعام الآتي قائلين: نرجوك أن لا تكون مثل سلفك، أقبل علينا بالأمل، خلصنا من أمثال شارون اللعين، كن معنا ولا تكن علينا، اقنع امبراطور العالم الجديد بأن يعرف معنى العدل في تعامله مع الشعوب، قل لحكوماتنا أن تقودنا الى الحداثة والتحديث، حررها من أفكارها الديكتاتورية ونزعاتها التسلطية وكراهيتها للعدل الاجتماعي وكل الأفكار التي لا تزال متحجرة في عقول القائمين علينا، خلصنا أيها العام الجديد من بقايا الارهاب الديني وبؤر التطرف التي لا تزال تلكخ وجه الأرض العربية، أقض بالحق في كل هؤلاء المتزمتين والمتعصبين والجامدين الذين يحولون بيننا وبين التقدم. هذا ما قلناه لأول العام الجديد، بعد أن أطفأنا شموع سنة 2001 وأشعلنا شموع سنة 2002، وبدونا كما لو كنا نخلع ثوب الأحزان ونرتدي ثوب الفرح، وقال كل واحد منا لنفسه ابتسمي أيتها النفس حتى لو انتزعت الابتسامة من أعماقك. وظللنا نضحك ونضحك لعلنا ننقل عدوى المرح الى العام الجديد فيغدو مرحا، وظللنا نحلم ونحلم بأصوات عالية آملين أن يحقق العام الجديد أحلامنا، وانتهى احتفالنا بالدعوات وطيب الأماني، ومضى كل منا الى حال سبيله، أو الى حال سريره. وها أنذا في هذا اليوم الجديد، في هذا الصباح النضير، ألحظ إشراقة الشمس، وصفو السماء، وأشعر بشئ ما يسري في الفضاء، لعله الذي يأتي ولا يأتي، لعله الاحلام التي لا تزال معلقة في الهواء وجلست الى مكتبي - في معتزلي المنزلي - أكتب مقالتي، وأتطلع بعيني من خلال زجاج الباب الذي ينفتح على البلكونة، فألمح جهاز التكييف الموضوع على جدار البلكونة، وأرقى بعيني الى قمته فأجد عليها حمامتين تتناغيان أو تتناجيان، لونهما يجمع ما بين الأبيض والرمادي، كما لو كان يجمع ما بين ما نرجو غيابه ونأمل في قدومه، فظللت أرقبهما، وأتأملهما واحدة منهما تحنو على الثانية، تداعب طوقها بمنقارها، والثانية ساكنة مستسلمة للحنو والمداعبة. الأولى الواقفة رشيقة خفيفة الحركة. والثانية ممتلئة قليلا، تجلس في استكانة واستسلام. ترى من منهما الذكر ومن منهما الأنثى؟ لا يهم. المهم ما بعثه المشهد من حبور في نفسي، وما بدا فألاً طيباً وعلامة للسلام، فظللت أرقبهما في حنو الى أن طارا معا، متجاورين، لونهما الموزع ما بين الأبيض والرمادي ينداح تدريجيا في الفضاء، ويختفي وراء سماء صافية زرقاء لعلها المدى الواعد لعام 2002.