هل بلغ قادة اسرائيل في الغباء أن يسعوا بجدية الى تحييد السلطة الوطنية الفلسطينية الى درجة التدمير الكامل، بينما هم يعلمون علم اليقين أن البديل الوحيد لقيادة عرفات الكلاسيكية هو قادة التيار الاسلامي المتطرف؟ من يقل ان القادة الاسرائيليين أغبياء جدير بأن ينعت بالسذاجة على أقل تقدير. ولكن مع ذلك فان معطيات الواقع الميداني المرئي، حيث لا تكف حكومة شارون وقواته عن محاربة قيادة عرفات سياسيا ودبلوماسيا ودعائيا وعسكريا، لا تزيد السؤال المطروح الا الحاحا رغم ما ينطوي عليه من غموض بحيث يبدو وكأنه لغز. لكن بنيامين نتانياهو الذي ينافس ارييل شارون في المغالاة في اوساط اليمين الاسرائيلي المتطرف، ازال هذا الغموض باعطاء اجابة شبه مباشرة للسؤال المطروح في مقابلة قبل اسبوعين مع شبكة تلفزيونية امريكية. لقد قال نتانياهو انه يتمنى غياب عرفات وجماعته عن السلطة والقيادة السياسية، حتى يتولى القادة الاسلاميون «الارهابيون» أمر قيادة الشعب الفلسطيني بصورة رسمية: «حينئذ سوف يدرك العالم ما هي طبيعة العدو الذي نحاربه، ولن ينتقدنا اذا استخدمنا ضد الفلسطينيين اضعاف القوة التي نستخدمها الآن». هذا اذن هو مخطط المستقبل. فالقادة الاسرائيليون يخططون لالغاء الشعب الفلسطيني من الوجود، اما بعمليات ابادة جماعية مكشوفة أو عمليات اقصاء جماعي الى الضفة الشرقية ـ أي الأراضي الأردنية. لكن عرفات ـ من المنظور الاسرائيلي ـ يقف عقبة في تطبيق الخطة. كيف؟ لقد رسخت صورة عرفات في المجتمع الغربي والمحيط الدولي العام كمثال نموذجي للاعتدال والنهج السلمي، بحيث انه يصعب على القيادة الاسرائيلية ـ حتى في عهد الوحشية الشارونية ـ ان تنفذ حملة عملاقة منظمة تستهدف ابادة شعب بأكمله او ابعاده جماعيا من ارضه، بينما لا يزال عرفات المعتدل رمزا حيا قائما لهذا الشعب، دون ان يخاطر القادة الاسرائيليون باثارة غضب عام في الغرب يفرز تعاطفا مع الفلسطينيين. لكن عنصر المخاطرة قد لا يكون واردا في مثل هذه الحالة اذا كان من يحتل قيادة الشعب الفلسطيني على مستوى السلطة ليس عرفات وأفراد فريقه «المعتدلين» من أمثال د. نبيل شعث وصائب عريقات وانما طاقم من قيادات «حماس» و«الجهاد» المصنفين في الغرب كارهابيين يمثلون خطورة مستقبلية حتى على الغرب نفسه. اذن، هكذا يستخلص شارون، يكون الخط المنطقي هكذا: اقصاء عرفات وسلطته من المسرح السياسي الفلسطيني. يقفز «الارهابيون» لملء الفراغ واقامة سلطة جديدة هدفها ليس فقط تحرير الاراضي الفلسطينية المحتلة، وانما ايضا محو دولة اسرائيل من على الوجود «برنامج حماس والجهاد ومعهما حزب الله اللبناني». وهكذا تتهيأ الفرصة لاسرائيل لابادة الفلسطينيين او طردهم دون ان يلقوا تعاطفا من الغرب. ومن يظن ان هذا المخطط الخطير هو مجرد «خطرفة» شارونية فان عليه ان يراجع أولا في الصحف ملخص وقائع المقابلة التلفزيونية مع نتانياهو المشار اليها، وثانيا مقابلة لاحقة اجريت مع رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ايهود باراك. وبما ان باراك ينتمي الى «حزب العمل» الذي يعتبر «معتدلا» بالمعايير الاسرائيلية، فان تبنيه لمخطط شارون الذي ينتمي لحزب الليكود المتطرف يجعل من هذا المخطط مشروعا قوميا انعقد عليه الاجماع الاسرائيلي. انه باختصار مشروع يمثل المعادل الاسرائيلي لشعار «صراع وجود لا حدود» الذي اطلقه جمال عبدالناصر. وعندما تقع الواقعة فانه لن يكون بوسع العرب ان يحتجوا بأن اسرائيل «لم تحذرنا مقدما».