يعد هذا العصر هو عصر الإعلام والمعلومات، فقد استطاعت البشرية تخطي مرحلة الثورة الصناعية ثم التكنولوجية الى مرحلة أكثر تعقيدا هي مرحلة المعلومات المعتمدة على التقنيات الالكترونية والتطورات المعلوماتية في العالم، وأصبحت الدول المتقدمة نسبيا تحتكر بشدة صناعة المعلومات بكل فروعها بفضل سيطرتها على بنوك المعلومات. وازاء ذلك استطاعت ثورة المعلومات تدمير أسلحة العزلة والجهل. ولوسائل الإعلام أهمية كبيرة هي أكثر تأثيرا من غيرها من الوسائل التقليدية التي عرفها المجتمع. والتطور العلمي والتقني والفني لم يكن بعيدا عن وسائل الاتصال، ففي كل يوم هناك جديد على الصعيد التقني والفني والبرامجي. ولعل الوظيفة الإعلامية تعد من أخطر الوظائف في عصرنا الراهن ولا تقل في أهميتها عن دور صنوف الاسلحة في ميادين القتال، ذلك ان تدفق الإعلام يشبه تدفق الدم في الشرايين. ومن الضروري ايلاء مسألة الإعلام كل اهتمام جاد وان كانت أهمية الإعلام قديمة جدا، فالمنتصر في المعركة الإعلامية هو القادر على ايصال صوته وصورته الى انحاء العالم. ولكن لابد من تقديم الصوت والصورة بشكل موضوعي ومقنع للمتلقي الذي أصبح محاطا ببحر من المحطات الفضائية وما تبثه من برامج مختلفة تستهدف كيانه وثقافته وانتماءه، هذا ما يتعرض له الانسان العربي من خلال ما تفعله وسائل الإعلام الاسرائيلي. فالصهيونية تراهن على جعل العرب يتخلفون عن الصراع ضد المشروع الاسرائيلي الاستعماري الاستيطاني من خلال طروحات يراد منها اثارة نمط من التناقض واثارة نعرات ونزعات لتدمير العرب بل تدمير المجتمع العربي ذاته بذاته وعلى نحو أعمى.. ويؤكد شيمون بيريز على ضرورة ازالة الحدود الثقافية لدى العرب، وبذلك فإن الصهيونية تريد فرض الغزو الثقافي بل ضياع الثقافة العربية وقيم الامة العربية وذوبان الشخصية العربية، وهي تملك صخبا اعلاميا قويا عبر وسائلها الإعلامية ومن خلال سرعة انتشارها وتفوقها التكتيكي وقدرتها المعادية. لقد اكتشف اليهود منذ عقود من الزمن قول ناحوم جولدمان أمام أركان الوكالة اليهودية كيف يضعون أيديهم على الوعي، وقد سيطروا على وسائل الإعلام في امريكا وأوروبا وروسيا من خلال امتلاكهم لوسائل الإعلام ولأشهر الصحف مثل نيويورك تايمز والواشنطن بوست ولمئات المراسلين والعاملين في الوسائل المرئية الذين يكتبون ويبثون بشكل منتظم مقالات مساندة لاسرائيل والتي تبث السم ضد العرب. وبذلك فإن النفوذ اليهودي تسلط على الصحافة وجميع وسائل الإعلام الأخرى غير اليهودية وامتد الى كل ركن من أركان الصحافة في امريكا عن طريق 220 صحيفة ومجلة ووكالة انباء جميعها يهودية 100% وبعضها يصدر باللغة العبرية، وتتولى تلك الصحف والكتب والمجلات التي تستولي عليها اليهودية الامريكية عمليات تسميم الرأي العام الامريكي وتشكيله التشكيل الثقافي والمادي الذي يتفق مع الخطوط العامة للسياسة الصهيونية، وهي في الوقت نفسه تتولى تضليل وخداع الرأي العام حيث تجعله يعتنق الآراء التي يريدها. ويتولى الاشراف على تلك العمليات جهاز سري لا يظهر ولا يعلن عنه وان كانت آثار سياسته ونتائجها تبدو جلية لكل من يحاول ان يراها. وفي كتاب «امريكا والصهيونية» يقول المؤلف هاشم زكريا ان الوكالة اليهودية هي الجهاز التنفيذي للمنظمة الصهيونية العالمية، وهي تمارس نشاطها في امريكا على عقول الامريكيين وتفكيرهم وتسعى الى تحويلهم الى أدوات لخدمة الكيان الصهيوني. وتنفق الصهيونية العالمية مبالغ ضخمة في امريكا بقصد تحقيق السيطرة على الصحافة ومحطات الاذاعة المسموعة وشركات السينما والتسلل الى الهيئات الدينية المسيحية والاوساط العلمية ودور النشر واستغلال المحاضرات وانشاء العلاقات مع المؤسسات المختلفة واستمالة قادة الرأي العام. إن المنظمات الصهيونية أنشأت علاقات خاصة بينها وبين الصحافة وألحقت بها محررين موالين لها في جميع الصحف الامريكية الهامة كما أثرت في كتّاب هذه الصحف ومعليقها فوضعوا أقلامهم في خدمة الكيان الصهيوني كما استغلت النفوذ الذي أوجدته لها في الصحافة لمنعها من نشر أي مادة تسيء الى الكيان الصهيوني، ومن وراء وسائل الإعلام يقف اليهود للسيطرة على الصحافة ووكالات الانباء ودور النشر والاذاعة والتلفزيون في معظم بلاد العالم ليوجهو ا الرأي العام الى ما يريدون، كما انهم يسيطرون على الصحافة ودور النشر بطريق آخر هو احتكار تجارة الورق ليقبضوا أيديهم ويبسطوها حسب استجابة الصحافة لأغراضهم، وقد استطاع اليهود ان يحققوا هدفهم بهذه الوسائل كلها الى حد كبير. فقد ثبت ان الصحف والمجلات التي تخضع لسيطرة اليهود في العالم بلغت 850 صحيفة ومجلة بمختلف اللغات وفي مختلف الدول، وقد جاء عن الاهتمام بالسيطرة على اجهزة الإعلام ضمن قرارات بروتوكولات حكماء صهيون ما يلي: «الصحافة هي القوة العظيمة التي نستطيع بها توجيه الناس، فالصحافة تبين المطالب الحيوية للجمهور وتعلن شكاوى الشاكين وتولد الضجر بين الغوغاء، وقد سقط في أيدينا ومن خلالها أحرزنا النفوذ وكرسنا الذهب دون ان نظهر للعيان». ولما صدر كتاب «اليهودي العالمي» من تأليف هنري فورد كان له صدى عندما بدأت فصوله تظهر تباعا عام 1912 في صحيفة ديربورن اندبندنت وهي الصحيفة الناطقة باسم شركة فورد للسيارات، فقد وقف الامريكيون مذهولين أمام المدى الذي وصلت اليه السيطرة اليهودية على مقدرات أمريكا خاصة والعالم عامة، كما نشط اليهود يحاربون ملك السيارات المليونير بكل ضراوة وشراسة. وقد أوضح فورد في كتابه ذلك النفوذ اليهودي وسيطرته على كل قطاع والغاية التي يهدف اليها من فساد الضمائر وتدمير الأخلاق وطمس معالم القيم الروحية وبالتالي تفتيت نظام الأسرة. ولكي يمكن اليهود من محاربة هذه القيم ودحرها أضرموا النار في نسخ هذا الكتاب وزودوا العالم بأفلام تتسم بالخلاعة والمجون ودعوا الى المفاسد وأغرقوا العالم بصحف تفيض أعمدتها بالرذيلة والصور الخلاعية ليفسدوا العالم ويحكموه بالجنس والدولار. والاسرائيلي يتحرك بعقلية (شايلوك) حيث كل شيء خاضع للبيع الشراء والمساومة والابتزاز، ولا قيمة كبيرة للمسائل المعنوية مثل الكرامة والشجاعة والكبرياء، وكل شيء يكتسب قيمته ويصبح مباحا اذا كان يخدم المصلحة والهدف ودائما الشعار هو مجرد وسيلة لخدمة الهدف المرحلي، وقد لا يجد الاسرائيليون غضاضة في الاستخفاف بما يسمى الشرف والكرامة والنزاهة اذا تعارضت مع مصلحتهم. وقد جاء في وثيقة وزعت على يهود الاتحاد السوفييتي: انه من أجل تحقيق الهدف يمكن تحمل الذل وليست هناك أشياء غير أخلاقية إذا كانت تساعد على تثبيت وازدهار شعبنا. وتشرح الوثيقة لليهود كيف عليهم ان يتصرفوا من اجل استثارة الروس واخراجهم عن طورهم: إخلقوا للروس الكثير من المنغصات الصغيرة التي لا يدركونها على الفور، ضعوا أقدامكم فوق أقدامهم تنفسوا في وجوههم دعوهم يشعرون دائما ان كوعكم في خاصرتهم وهم لن يتحملوا هذا طويلا، ومنتهى هذا الفخر بالنسبة لهم ان يصفعوا الباب ويذهبوا فامنحوهم هذه الفرصة، فشعارنا هو الوقاحة المهذبة! بل ان الوثيقة تنصح صراحة باستخدام النساء اليهوديات لجذب الشباب الروس «ليكن لكل روسي موهوب صديقة يهودية أو صديق». والإعلام الاسرائيلي صور العربي انه همجي عدواني كسول، ولتزيد اسرائيل من بشاعة الموقف جعلت صورته في الغرب وامريكا عبر الوسائل الإعلامية المختلفة تتوزع بين كونه شهوانيا جاهلا أو اسلاميا متطرفا. ولقد وجد الانسان الاوروبي والامريكي نفسه معتمدا على ما رأى وسمع، وعندما تكشف الصورة الحقيقية والوقائع العلمية أمام الرأي العام يضرب هؤلاء جباههم بأيديهم ويقولون ان الصحف والتلفزيون قدمت لهم صورة زائفة. وكما في السياسة والاقتصاد هناك معركة في ميدان الإعلام، معركة لها ميادين شتى ولكل ميدان محاولة هجوم ودفاع. لذلك لابد من تحصين الدول العربية والاسلامية من غائلة التسمم الإعلامي الصهيوني، وان أحد أهم محاور الهجوم الصهيوني هي اثارة قضايا موهومة للعرب والمسلمين واختلاقها إن لم توجد والعمل على ضخها الى الحد الذي يصرفهم عن قضاياهم الأساسية. إن تحقيق الأمن الإعلامي يندرج تحت مظلة تحقيق الأمن القومي ولاسيما في شقه الثقافي، وتصحيح الخلل الإعلامي يقتضي إدراك أهمية الاتصال في الحفاظ على الثقافة والشخصية الاجتماعية في بناء وعي عربي متحرر يستوعب ويسهم في تطوير الواقع والمساهمة في تنميته، فكلما كان الإعلام أكثر ارتباطا بثقافة الشعب واستلهاما لتراثه وخصوصيته شجع ذلك على الابداع وترسيخ القيم الايجابية للشخصية الاجتماعية. وفي كل الاحوال لابد من عمل اعلامي مشترك في اطار برنامج عربسات أو برنامج مماثل، ولا يكفي ان يكون للعرب قناة تلفزيونية خاصة تبث عبر الاقمار الصناعية، بل لابد من ان تكون برامج القناة في مستوى فكري فني يمكنها من اجتذاب المشاهد العربي بدلا من مشاهدته لقنوات أجنبية، ليجد فيها ما يعبر عن خصوصيته الوطنية وهويته العربية وطموحاته الانسانية. ـ كاتب سوري