العام الجديد سوف يكون مليئا بالتحديات واستمرارا لذات المقدمات التي بدأت في اواخر العام الذي ودعناه. العام الجديد سيكون أكثر الاعوام صعوبة واثارة، لان احداثه سوف تتلاحق في اتجاهات كثيرة. فكل جديد في هذا العام سوف يكون مرتبطا بما حصل في مبنى التجارة الدولي في الحادي عشر من سبتمبر، وسوف يكون مرتبطا بالحرب على الارهاب، وبتصورات السياسيين في البيت الابيض وبردود فعل الدول والمجتمعات العربية على هذه السياسات. ان الاساس في العام الجديد يجب ان يكون مرتبطا بتعاملنا كعرب وكمسلمين مع احداث كبيرة تمسنا ونتأثر بها. الأساس يجب ان يرتبط بردنا على ما نحن فيه وبتحركاتنا وبوعينا للاحداث وكيفية التعامل معها. هذا يعني اننا في العام الجديد مطالبون بتقييم حالنا وبالتعلم من تجربتنا. لا يكفي ان نلوم الغرب والشرق، وان نلعن الاخرين على سياساتهم. فهذا لن يغير شيئا على ارض الواقع. ففي السياسة هناك انحياز للنجاح، وهناك انحياز دائم لمن يسجل اهدافه بمهارة وذكاء، وهناك تقديس للمقدرة على الانجاز. وفي السياسة هناك احتقار لمن يدمر نفسه من جراء اخطائه، وهناك انحياز ضد من يضيعون الفرص على شعوبهم، ويفتقدون للمبادرة في لعبة السياسة بصفتها صراع مصالح وبناء تحالفات وخلق اجماع وممارسة مساومات. ومع العام الجديد يمكن القول بأن النقد الذاتي الذي تقدم به الأمير عبدالله ولي العهد السعودي الى مؤتمر القمة الخليجي قبل نهاية العام، يشكل عنصرا جديدا في معادلة التعامل مع التحديات الجديدة. فان نبدأ عامنا الجديد بموقف نقدي هو افضل ما نهديه لشعوبنا التي ضللتها الاحداث، وتضللها خطابية بعض المسئولين، وتضللها مواقف الاتهام للاخرين ونظريات المؤامرة الخيالية. في كلمة الامير عبدالله دعوة لتقييم الذات ونقد السياسات السابقة، انها دعوة للبحث في الشئون التي تمنع تقدمنا وتحد من وحدتنا وتؤخر دورنا وتهمش مستقبلنا. هذا النموذج في النقد جديد على عالم السياسة العربية التي تركز على الشكل وتهمل المضمون وتركز على الخطابة وتتفادى الممارسة. فالسياسي العربي قلما يتحدث لجمهوره بروح مفتوحة، وقلما يخاطب القادة العرب بروح الصدق والدقة. ان الاوان ومع العام الجديد للتخلص من جميع الموانع التي تجعل التقييم الذاتي عنصرا مرفوضا في الاجواء العربية الثقافية والسياسية الاسلامية والرسمية. وآن الاوان لاعادة النظر بالداخل واوضاعه. فان نكون اقل الامم انتاجا في مجال الاقتصاد امر يجب التعامل معه، وان نكون اسوأ الامم في ممارسة الحريات المحلية امرا يجب ان نسعى لتغييره وان نكون ايضا اكثر الامم انتاجا لنظريات المؤامرة مما حول منطقتنا الى مهزلة بين بقية الأمم هو الاخر امر يتطلب منا التوقف عنده. وان نكون اكثر الأمم اعتقادا بوجود قدرة خفية سوف تنصرنا حينما لا ننصر انفسنا، وان نكون اكثر الامم مغالاة بقدراتنا يتطلب الكثير من التدقيق والمراجعة. وان نكون اكثر الامم مطالبة بالوحدة واكثر الامم تحدثا عن التضامن واقل الامم في ممارسة ما نقول هو الاخر يدعو للمراجعة والتساؤل وان نكون اقل الامم تحملا للديانات الاخرى التي تعيش بيننا، او للاقليات في صفوفنا او للقوميات الاخرى في مجتمعاتنا، او للآراء المختلفة بين صفوفنا هو الاخر امر يتطلب الكثير من النقد.في العام الجديد نقف على أبواب فرص تتطلب منا الكثير من اعادة النظر وتتطلب منا الكثير من التعرف على حالنا. فوق كل شيء العام الجديد يتطلب تفكيرا لم نعهده، ويتطلب فكرا لم نطرحه، انه يتطلب منا جرأة لم تشجعنا مجتمعاتنا على استنهاضها. في كل عقد تتوفر الفرص للعرب لممارسة الجديد والانطلاق نحو الافق الاوضح، لكنهم كانوا دائما يهدرون الفرص فهل تكون هذه الجولة غير الجولات السابقة أم عودة لممارسة ما اعتدنا عليه. ما قاله الأمير عبدالله ينبئ بشيء جديد، فهل يكون بداية سوف تتعمق أم محاولة سوف تجهض؟ ـ استاذ في قسم العلوم السياسية جامعة الكويت