النيل.. النيل هذا المسافر الذي أطال السفر فما انتهى سفره، كم مر عليه من شعراء وكم وقف بشاطئيه من متأمل هارب من اللاهثين وراءه فألقى بروحه في عبابه وتركها له يقلبها كيف يشاء يغمرها تارة بمياهه المتحدرة من قمم افريقيا البعيدة حتى إذا غابت في أعماقه أعادها ثانية الى صدره لتستلقي عليه تسأل النجوم عن سر خلوده وعن حديثه الذي لا ينتهي وعن رحلته التي لم يعد منها من استقلها فإذا بها تسمع صاحبها الشاعر واقفاً ينشد النيل.. يا نيلُ يا نيلُ يا ميعادَ ذي شَجَنٍ متى هو الوعد أنّى بِتُ انتظِرُ فهاتِ يا نيلُ غَنّى الصب أُغنيةً مَشْبوبةَ اللحنِ في جنبيكَ تَسْتَعِرُ يا نيلُ جئتُك في عينَيَ رقرقةً من اشتياقٍ وفي جَفنِ المُنيَ صُوَرُ وقد أتيتُك حدثني وقُلْ وأطِلْ في ذا الحديثِ وَذَرْ من جاءَ يختصِرُ يا راحلاً مَرّ بالأيامِ يتبعُها رصداً فتفنى على ترحاله العُصُرُ يا سارياً في ليالي العمر يقطعها تَغنى الليالي ويَغْنى قَبلَهُ السفَرُ قندهار وقفت على شباكها عربية الملامح وقد ودّعت منذ زمن فتى عربياً أسمر الجبهة ذهبت روحه وراء غمام المجد العربي وما عادت كما لم يعد. لقد ذهب ذلك الفتى العربي مندفعاً وراء خيول صلاح الدين يظنها تجمعت في بلاد غادرها الامن منذ زمان فطار إليها يُمنّي النفس بكل عظيم بكل نقي يمنّي نفسه الطامحة الى الشهادة وهو لا يدري انه يذهب الى حيث الضياع حيث التقاء الغرب الجريح بالشرق الطريح فذهب الفتى وبقيت هي تُودّعه كل يوم تقول وقد تقهقر الجمع ولاذ بالكهوف في جبال قندهار... جبال قندهار متى هو النهار متى تلوحُ في الدجى مشارف النهار متى يؤوب ذلك الساري بلا عيون ملثماً مُعمّماً بالهم والغُبار الهاجر المهاجر الساعي الى الضباب الهارب الظمآن والعُريان في القفار جبال قندهار متى هو النهار متى يعود ذلك المفتون بالخيول متى تُرى يعود فقيدها النبيل متى يعود تاركاً وراءَه الحصار متى يعودُ سائلاً عنها عن الديار متى يعوذ لائذاً بقلبها العليل من قلب قندهار يا قلب قندهار متى هو النهار