أثار موضوع زاوية الأمس حول المساكن التي يتركها أصحابها، ويتم تأجيرها فيما بعد لأسر آسيوية، أو لمجموعات من العمال العزاب، اهتمام الكثيرين، فكل التقدير للذين ابدوا اهتماماً وتواصلاً، فقد عمق ذلك في داخلي شعوراً بالتفاؤل والأمل، وبأن ما يهم المجتمع، وما يشكل مساساً بقيمه ومنظوماته، يأتي على رأس اهتمامات الانسان المواطن الاماراتي، وبأن هناك حساً عالياً بالمسئولية التشاركية ازاء ما يهددنا ويسيء إلينا ومن فئات وشرائح اجتماعية مختلفة. وما أسعدني أكثر ما علمته من أن المسئولين عن هذا الأمر وتحديداً الأخوة في بلدية دبي، لديهم أكثر من اقتراح أو حل لمواجهة هذه القضية، ما يعني انها محل اهتمام، وبأن هناك وعياً عالياً بمخاطرها وآثارها السلبية، والأمر ليس مهملاً أو منسياً لكنها مسألة وقت وستأخذ الأمور منحى آخر في اتجاه التنظيم والتخطيط بشيء من الحزم والمواجهة الواعية. ما نود التأكيد عليه هنا هو أن مسألة تأجير المنازل وتركها تحت تصرف المؤجر الآسيوي بلا ضوابط، والتفكير فقط في مبلغ الايجار، والمردود المادي فقط، ذهنية لابد من العمل على تصحيحها وتوجيهها وتقنينها بحيث يتحقق صالح الفرد صاحب المنزل، وصالح المجتمع ايضاً، باعتبار ان التصحيح والاصلاح ليسا رغبة فقط، بل وعي وتخطيط معاً. وإذ نؤكد على الموضوع ونطرحه للنقاش فما ذاك إلا لأن العلاقة بالمكان شكل آخر من اشكال الوعي والثقافة والمحافظة على الذاكرة الجمعية للأفراد، ولا شك ان التجذر في المكان لا يعني فقط الارتباط بجدران المنزل وتفاصيله، انه ارتباط انساني بكل المناخ المحيط، بالجيران، وبتفاصيل الحي، وبذاكرة الأحداث التي تمر عبر السنين، وبالعلاقات التي تتكرس مع مرور الزمن، وبهوية المدينة بشكل عام. ان الحفاظ على هذه الأحياء بعيداً عن عبث وسطوة الماديات، والتصرفات العشوائية غير المقننة، وايجاد قوانين ملزمة للمؤجر والمستأجر، بشروط جزائية ذات طبيعة ملزمة، لا يعني بأية حال من الأحوال تدخلاً في شئون الأفراد أو في ما يملكون، بقدر ما يعني الحفاظ على عراقة المدينة التي تغرق في طوفان من الجنسيات التي استولت على كل المدينة وكل الأحياء التي نعرفها، وصادرت هويتها في غفلة من الجميع، وانحصر وجود الأسر المواطنة في أماكن محدودة، ما يعني تفريغاً حقيقياً لهذه المدينة من كل ما يمت لروحها وهويتها ووجودها وأمنها أولاً وأخيراً. ان العلاقة بالمكان تصنع ذاكرتنا الحميمة الحقيقية، وهذه الذاكرة تحتاج الى تراكم طويل، وهذا التراكم بدوره لا ينمو الا من خلال الزمن، ولذلك نسأل لماذا لا يعمر الانسان ذاكرته ويؤثثها جيداً، كما يعمر في كل عشر سنوات منزلاً ويؤثثه ولكن دون ان يتمكن من تسييجه بذكريات وذاكرة وتذكارات؟ لماذا لا تبقى الأحياء السكنية على حالها بأناسها ومواطنيها من سكان المدينة زمناً طويلاً دون ان يهجروها ويؤجروها؟ هل لأن العائلات التي تقطن هذه المساكن والأحياء تكبر مع الزمن ويتزايد عدد أفرادها، فإذا كان هذا هو السبب فمعروف ان الذين يكبرون ينفصلون طبيعياً بالزواج وهؤلاء لا بد من اعطائهم مساكن خاصة بهم، بينما يبقى أساس العائلة موجوداً في المنزل الكبير القديم دون ان يهجر أو يؤجر، فهكذا تسير الحياة في المجتمعات الاخرى كما نعلم. في النهاية نحن نكتب ونجتهد، وقد نصيب وقد لا نتوصل للحلول، ولكننا لا نخطئ يقيناً حينما نستشعر خطر الزحف والتفريغ وتحدي الهوية، لكننا نعي بأن المسئولين عن الأمر لديهم الحلول، ولديهم المخارج، ونحن بانتظارها على أمل ألا يطول الأمر كثيراً. aishasultan@hotmail.com