هل كانت مصر عبدالناصر دولة ارهابية عندما كانت سفن مصرية صغيرة محملة بشحنات سرية من الأسلحة ترسو في موانئ سرية جزائرية، خلال عقدي الخمسينيات واوائل الستينيات لتغذي الترسانة المسلحة لجبهة التحرير الجزائرية في حربها التحررية ضد الاستعمار الاستيطاني الفرنسي؟ يطرح السؤال بمناسبة قصة السفينة المشحونة بعشرات الأطنان من الاسلحة التي تقول السلطات الاسرائيلية انها ـ أي السفينة ـ ملك للسلطة الوطنية الفلسطينية وان شحنة الاسلحة قادمة من ايران. فقد خلقت اسرائيل من الحادثة انتصارا دعائيا ذا دوي عالمي كدليل درامي يبرهن للعالم ان السلطة الفلسطينية ـ وكذلك ايران ـ ليست سوى كيان ارهابي. ولا تخفى بالطبع الخطورة السياسية لمثل هذا الاتهام في العهد الأمريكي « لمكافحة الارهاب العالمي». وابتداء نقول ان الحادثة فيما يبدو مدبرة بدوافع تآمرية اسرائيلية والا لماذا لم تتريث السلطات الاسرائيلية حتى تبلغ السفينة منتهى رحلتها فترسو عند ميناء غزة، وبذلك تقبض على رجال السلطة الفلسطينية متلبسين حال كونهم منهمكين في تسلم البضاعة «المحرمة»؟ لقد قال القادة الاسرائيليون ان قوات اسرائيلية داهمت السفينة في مياه البحر الاحمر على بعد 500 كيلو متر من السواحل الاسرائيلية، مما لا يبرهن بصورة قاطعة ان ميناء غزة كان وجهتها النهائية. ولكن دعنا من هذه السفسطائية وما صاحبها من تأكيدات اسرائيلية ونفي فلسطيني وايراني، لنطرح تساؤلا: لو افترضنا ان الرواية الاسرائيلية صحيحة فما الذي يعيب قيادة لحركة تحرير وطني كالسلطة الوطنية الفلسطينية، ان تطلب وتتسلم شحنة اسلحة من جهة ما بغرض مواصلة مقاومة ضد احتلال اجنبي يكفل مشروعيتها القانون الدولي ومواثيق الامم المتحدة بالاضافة الى الشرائع السماوية؟ والاجابة تتمثل في نقطتين ترتبطان عضويا: أولا لأنه لا يوجد تعريف متفق عليه دوليا لمعنى «الارهاب»، وبالتالي للفرق بين الارهاب والنضال المشروع ضد سلطة احتلالية اجنبية، وثانيا، لأن قيادة السلطة الفلسطينية ومعها القيادات العربية عندما قررت تلبية النداء الأمريكي للمشاركة في «مكافحة الارهاب»، فانها قبلت ضمنا المفهوم الامريكي المطاط للارهاب. وعندما توخى جمال عبدالناصر السرية في عمليات ارسال شحنات السلاح الى ثوار الجزائر، فانما لأنه كان يبتغي ان تصل الشحنات سالمة دون ان تضبط، لا لأنه كان يرى في هذه المهمات المتتابعة عملا غير مشروع. فقد كان هذا الزعيم القومي الشجاع يؤيد الثورة الجزائرية المسلحة علنا ويندد بفرنسا على رؤوس الأشهاد. والآن تدفع السلطة الفلسطينية ثمن الخطأ التاريخي الجسيم الذي أوقعت نفسها فيه، بقبولها الضمني «لمكافحة الارهاب» وفقا للرؤية الاسرائيلية الأمريكية المشتركة. فالولايات المتحدة واسرائيل تطالبان علنا ودون استحياء بتصفية الانتفاضة الفلسطينية والقضاء على المقاومة الشعبية، على أساس انها ارهاب غير مشروع. وربما يكون النفي الفلسطيني لواقعة السفينة صحيحا.. لكن ارييل شارون يتجاوز هذه الواقعة الفردية ليقدم للعالم استخلاصا نهائيا ان السلطة الفلسطينية، عوضا عن تصفية فصائل المقاومة «الارهابية» فانها تتواطأ معها فتساعد على امدادها بالاسلحة. واذا كان شارون يريد الآن ان يحاكم قيادة السلطة الفلسطينية بمعيار خرق مبدأ «مكافحة الارهاب» بالمفهوم الاسرائيلي الأمريكي، فلأن هذه القيادة قبلت سلفا هذا المعيار فصار حجة عليها لا حجة لها.