عندما أعلن العالم الرياضي والفيزيائي الكبير انشتاين بأن للاشياء بعدا رابعا هو الزمن، وان الابعاد الثلاثة التي كانت معروفة قبل ذلك، وهي الطول والعرض والارتفاع، لا تكفي وحدها للحصول على تصور نهائي وشفاف للأشياء، ظهرت النظرية النسبية المعروفة له والتي أخذت تقرب الاشياء أكثر فأكثر من واقعها وباتت أكثر ملامسة لواقعها. واذا كانت الاشياء وحركتها النظرية «الجامدة» أو الجافة بتعبير أدق، لا يمكن استيعابها على حقيقتها الا باكتشاف أبعاد جديدة لها، وان اكتشاف أي بعد جديد لها يمكن ان يؤثر على طبيعتها التي نعرفها، وبالتالي يغير الكثير من القوانين التقليدية المعروفة بشأنها، فكيف بنا اذا ما اكتشفنا أبعادا جديدة عن الانسان، ذلك الكائن الحي المتحرك بصورة دائمة وبشكل فعال في خضم واقع سيّال؟! ذلك الانسان هو أية من آيات الله العظمى على هذه البسيطة، بل خليفة الله في أرضه، وهو الذي يقول عن نفسه سبحانه وتعالى: (كل يوم هو في شأن)، ألا يحق لنا ان نتصور بأن خليفته يمكن ان يحمل الكثير من المتغيرات في هيئته وفي أحواله ايضا؟! إن هذا الانسان الباحث عن الحقيقة منذ لحظة ولادته حتى اللحظة الأخيرة من حياته الدنيوية، والساعي بجد نحو الكمال لا يمكن له في الواقع ان يعيش ويستمر بالوجود دون الاقرار به وبفعله وانفعالاته. انه موجود بفعل وجود الآخر وبتعدديته، ولا يمكن لأحد ا ن يتصور بقاء هذا الانسان وحيدا خارج دائرة التعددية الانسانية. من هنا نعتقد ان طبيعة الأشياء والكائنات تستوجب منا التسليم بوجود تعددية حيوية للوجود الانساني والطبيعي حتى قبل اكتشاف المعادلة الميدانية ومصاديقها. وان هذه التعددية موجودة في صورة الانسان الفرد كما في صورة الانسان الجماعة، وتالياً في صورة أو صيغة الملل والأقوام والشعوب. وعليه فإن المرء لا يمكن ان يستوي في حياته ويستمر بالحياة الطبيعية الا بقانون الاعتراف بالآخر، وضرورة افساح المجال له بالحياة والتعايش السلمي معه، بل والتمازج والتلاقح والتداخل. وفي غير ذلك ربما نكون بصدد تعريض الحياة الطبيعية لخطر الانقراض. ثم ان الاقرار بوجود أبعاد مختلفة للحياة كفيل بابقاء الأمل حياً في نفوسنا وهو ما يجعلنا نسعى دوما نحو اكتشاف الجديد، وهي بالمناسبة الميزة التي ينفرد بها الانسان عن سائر الكائنات الأخرى، ما يجعله الوحيد الذي يطمح نحو الكمال وذلك عبر وسائل وطرق تجعله يكتشف المزيد من أوجه الحقيقة وأبعادها المختلفة. إن هذا التصور السليم لحركة التطور البشري هو الذي ينبغي ان يقودنا للاعتراف بوجود مساع انسانية عديدة لدى الآخر أو الآخرين للبحث عن الكمال مثلنا، وهو الأمر الذي يجب ان يدفعنا للدفاع عن حقوق هؤلاء الآخرين وصيانتها. إن ما يطرح اليوم من نظريات متجددة حول الحوار وضرورات تفعيله مع الآخر، وآخرها ما ورد تحت عنوان «الحوار بين الثقافات والحضارات المختلفة»، ما هو في الواقع سوى التبلور الواعي والمنظم لما تقوم به الشعوب والجماعات المختلفة أصلا منذ أمد بعيد دون الحاجة الى معلم أو مرشد يدلها على الطريق. انها إذن سنة الحياة التي دأبت على ممارستها ومعايشتها الشعوب والأقوام، باعتبارها قدرا حتميا مشتركا من دونه تصبح الحياة فاقدة للروح إن لم تكن مستحيلة. إن ذلك من شأنه ان يدفعنا للقول بأن قانون احترام الآخر والقول به في اطار قانون التعددية الانساني والاعتراف بحقوق هذا الآخر، إنما هو أمر واقع اعترفنا به أم لم نعترف، قبلنا به أم لم نقبل، اكتشفناه أم لم نكتشفه، صالحناه أم خاصمناه. ذلك انه قانون فاعل في منظومة الحياة وهو من طبيعة الحركة الجوهرية للاشياء والانسان. وإن عدم اكتشاف البعض له أو عدم اعترافهم به لن يغير من الأمر شيئا، أو كما يقول المناطقة: «عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود». إذن فمن الافضل لنا ان نعترف ونقر بالآخر بمثابة حقيقة ساطعة، ونستثمر وجوده الى جانبا لنساهم به ومن خلاله بعملية الحركة الجارية نحو الكمال من خلال اكتشاف المزيد من الابعاد. وهنا ينبغي التأكيد على ان ما نعرفه من أبعاد الانسان بعلمنا البشري المتواضع، ليس سوى جزء بسيط مما يحتويه ويتضمنه هذا الانسان المعجزة والآية العظمى من آيات الله، بل هو ربما ليس أكثر من قطرة من بحر لا تنفد جزئياته في هذه الدنيا التي نعيشها. فقد وصف بعض علماء الاجتماع الأوائل هذا الانسان المحير وصفا في غاية العمق والدقة حيث قالوا: «أتزعم انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر». فيا أيها الانسان الفرد ويا أيها الانسان الجماعة، إنك بقدر ما تحترم وتقدر حرمات الآخر وتفسح المجال له بالتعبير عن ذاته وتوفر له مناخات تطوره، بقدر ما أنت تمارس حقك في احترام ذاتك وحقك في احترام حرماتك، وتوفر لها مناخاتها اللازمة للتطور والتقدم. وهو الطريق المؤدي بسلام نحو الكمال. ثم ان الاقرار والالتزام بالسنن الكونية كهذه أفضل لنا ألف مرة من المشي على طريق لا نعرفه فنضطر بعد ذلك، بفعل قانون تشكل الأشياء والظواهر وبفعل قانون استمرارية الحركة وضروراتها، لاختيار طريق المشيئة الالهية ولكن هذه المرة زاحفين وليس مرفوعي الرأس. أن نؤمن بأن الكون متعدد ومتنوع وان الاشياء والكائنات لها أبعاد نعرفها وأخرى لا نعرفها يجعلنا أسرع في اللحاق بركب التغييرات والتحولات، كما يجعلنا أقوى على استيعاب المستجدات والصمود أمام التحديات التي تفرض علينا في المنعطفات.. منعطفات التاريخ ومنعطفات الاجتماع والسياسة. إنه قانون البحث عن الحقيقة والكمال، وهو القانون الذي يستند الى حجر الزاوية في فكرنا الاسلامي الذي يقول انك كلما تعلمت وعرفت اشياء أكثر علما اكتشفت بأنك لاتزال تجهل الكثير. ـ كاتب ومحلل سياسي ايراني