أثبت الجنرال شارون أنه ليس قائدا عسكريا فحسب، ولكنه أثبت أيضا أنه فنان وأنه أقدر من المخرج سعد أردش في مجال الاخراج. في نفس اللحظة التي وصل فيها الجنرال زيني الى فلسطين لمتابعة مهمته في ايجاد حل للأزمة الفلسطينية، عند فتح الستارة عن وصول المبعوث الأمريكي، تلقي البحرية الاسرائيلية القبض على مركب مجهول في البحر الأحمر، على بعد عشرات المئات من الأميال من الساحل العربي، وعلى الفور أعلنت تل أبيب أن السفينة محملة بالأسلحة والصواريخ. وأكدت ـ قبل اجراء أي تحقيق ـ أن الشحنة من ايران وأن المسئولية تقع على رأس ياسر عرفات الذي وصفه بيان الخواجا شارون بأنه عضو بارز في جماعة ارهابية تخضع لايران. وبعد ساعات من وصول زيني الى فلسطين أعد شارون مسرحا ولا مسرح الكوميدي فرانسيز، وعرض الأسلحة عرضا مسرحيا مثيرا، وجمع الوزراء والسفراء والصحفيين المحليين والأجانب ليشاهدوا المعروضات. وهكذا ستدور المنطقة في الوضع دوخيني يا لمونة، طالما استمر شارون رئيسا لوزراء اسرائيل. الذي لم يشترك خلال حياته كلها في عمل سياسي واحد، والذي لا يجيد سوى مهنة القتال والكر والفر. وأعتقد أن الجنرال شارون لكي يريح ويستريح ينبغي أن يعتزل العمل السياسي وأن يتولى مسئولية المسرح القومي الاسرائيلي، وأعتقد أنه سيقفز بالحركة المسرحية خطوات هائلة الى الأمام. والسؤال الذي يجب توجيهه الى شارون، لماذا ظهرت هذه السفينة الآن؟ ولماذا اختار ايران بالذات لتوجيه الاتهام اليها؟ هل مكتوب على الأسلحة مكان صنعها؟ أم هي تجليات شارونية رآها في المنام. وكيف كانت هذه الأسلحة ستدخل الى مناطق السلطة الفلسطينية والحدود محاصرة، والمدن نفسها تحت الاحتلال الاسرائيلي، حتى الرئيس الفلسطيني اقامته محددة في رام الله، والدبابات الاسرائيلية تضرب حوله طوقا من الحصار. الى متى ستظل المشكلة الفلسطينية تخرج من نقرة لتقع في دحديرة؟ والى متى سيفرض شارون سياسته على العالم كله؟ والى متى تستمر هذه الرحلات المكوكية لمندوب الاتحاد الأوروبي وممثلي الادارة الأمريكية؟ والى متى يستمر الشعب الفلسطيني في ضبط أعصابه وكظم غيظه؟ وما هو موقف الادارة الأمريكية من هذه الألاعيب الشارونية؟ وهل هناك أمل في تنفيذ قرارات الأمم المتحدة؟ أم أن كلمة شارون هي العليا وكلمة الأمم المتحدة هي السفلى؟ ولمصلحة من يجري استفزاز الفلسطينيين والعرب والمسلمين، وما هي الحكمة في اختيار هذا الوقت بالذات لزيارة بيريز للهند، وما هو المقصود من وراء التقارب الهندي الاسرائيلي في هذا الوقت بالذات؟ وأين هند البانديت نهرو وأنديرا غاندي؟ والسؤال الآن: ماذا بعد المخرج شارون وفرقته المسرحية لاستقبال المبعوث الأمريكي عند عودته يوم 18 الجاري؟ ومن يضمن أن يسود الهدوء الحالي حتى ذلك التاريخ؟ وماذا يستطيع الرئيس الفلسطيني أن يفعله وهو محاصر في رام الله ومحدد الاقامة؟ وهل تحول الفلسطينيون الى طلبة مشاغبين في مدرسة وشارون هو ناظر المدرسة؟ هل المشكلة الفلسطينية بعد أكثر من نصف قرن، لا تزال في حاجة الى بحث ودراسة وتحقيق قبل أن تتقدم أي جهة بحل لحسمها؟ أليس من حق الشعب الفلسطيني كغيره من شعوب العالم الحق في العيش بكرامة في دولته داخل حدود آمنة ومعترف بها!؟ ماذا تريد القوى الأعظم منا نحن العرب؟ أن ننسى القضية كلها لحين ميسرة؟. الى أن تتنامى القوة العربية ويصبح في مقدورها حل القضية على النحو الشامل والعادل؟ وهل تتصورون أن هذا الوقت سيتأخر كثيرا، وربما لن يتحقق في أي يوم من الأيام.. إذا كان هذا هو تصوركم فأنتم واهمون.. فالأيام مداولة، وهي لا بتخللي الراكب راكب ولا الماشي ماشي، وقادر كريم يجعل عاليها سافلها فاحذروا هذا اليوم، لأن المسائل أصبحت بايخة ومكررة ولم تعد تحمل جديدا أو مثيرا على الاطلاق. الشئ الجديد الوحيد الذي حدث أخيرا هو وجود بيلين وساريد في القاهرة.. واعلانهم عن عدم موافقتهم على هذا الهزار الشاروني البايخ. واذا كان هذا الموقف مبدئيا وحقيقيا، فلماذا لا تنشط المعارضة داخل اسرائيل، ولماذا لا ينسحب حزب العمل من الحكومة الوطنية؟ ولماذا يتلكأون في طرد شارون من رئاسة حزب الليكود؟ ولماذا لا نسرع جميعا ونتفق على عقد معاهدة سلام دائم وعادل يسمح للجميع بالعيش في هدوء ورخاء، أم أن مسرحية شارون البايخة سيستمر عرضها رغم أنف الجميع، وستبقى اسرائيل تحت شبح البطالة وقلة السياحة وقلة الموارد، ويبقى الفلسطينيون رهن الحصار والاقتتال وضحايا مسرحيات شارون الفاشلة. وهل ننجو جميعا أم نغرق جميعا.. هذا هو السؤال!