حين قرر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وسط الضغوط الهائلة التي مورست عليه من كل اتجاه، وقف العمليات المسلحة ضد اسرائيل ودعوة جميع الفصائل الفلسطينية للالتزام بهذا القرار، قال المسئولون في السلطة الفلسطينية ان ما يحدث هو استيعاب وفهم لمغزى احداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة. وهم يقصدون بذلك تغير الظرف الدولي وتبدل المفاهيم المتداولة في العلاقات بين الدول وداخل كل دولة على حدة، ومن ضمن ذلك العمل المسلح والانتحاري الموجه ضد المدنيين، والذي بات ينظر اليه بوصفه ارهابا محضا، بالنظر الى انه يتساوى مع الهجمات الانتحارية بالطائرات ضد مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى البنتاجون في واشنطن والتي تسببت في مقتل اكثر من ثلاثة الاف شخص. ولا يخطيء المسئولون الفلسطينيون في ذلك، فاخذ مغزى ما حدث في الولايات المتحدة في الحسبان السياسي امر يدل على الواقعية والحصافة في التفكير، سيما اذا كان الامر يتعلق بمسألة مصيرية تمس وجود الشعب الفلسطيني نفسه.وبالطبع هناك من يرفض وسيواصل رفض هذا الأمر ويعتبره نوعا من الاستسلام والخضوع للضغوط الامريكية او الاسرائيلية. لكن ما يجب ان يتنبه اليه مسئولو السلطة الفلسطينية انهم بقرارهم الشجاع هذا انما يدخلون قضيتهم كلية في اطار التسوية السياسية وما تستلزمه من معادلات وسياسات داخلية واقليمية جديدة بمعنى انه لم يعد مسموحا لهم ان يهددوا بالعودة لاستخدام السلاح مرة اخرى. وستبين الايام القادمة ان الضغوط سوف تزداد في هذا الاتجاه، تدل على ذلك كثرة التصريحات في الاوساط السياسية والاعلامية الغربية. الامر الثاني ان على السلطة الفلسطينية ان تتهيأ لممارسة شيء من التقاليد السياسية التي طالما رفضتها او تمنعت عليها، اقصد بذلك الانتقال من عقلية الميليشيا والتطير الامني الى عقلية المجتمع المدني التعددي والاعتراف بمختلف الوان الطيف السياسي الفلسطيني. ولكي لا تتحول عملية استيعاب مغزى احداث الولايات المتحدة او تقتصر على مجرد منع الحركات الفلسطينية المسلحة من مهاجمة اسرائيل، فان على السلطة الفلسطينية وقد تمكنت من الحصول على اجماع داخلي حول قراراتها الاخيرة، استيعاب جميع الفصائل الفلسطينية بشكل او بآخر في اطار مؤسساتها وتوسيع قاعدة صنع القرار الفلسطيني، وهذا يقتضي تمثيلا اكثر صدقية وشفافية، للمجتمع عبر صناديق الاقتراع والممارسة الديمقراطية الجادة. لقد اثبتت الاحداث الماضية على الساحة الفلسطينية، منذ الانتفاضة وما رافقها من قمع عسكري اسرائيلي وعمليات انتحارية، انه من الخطورة بمكان ان يترك القرار الفلسطيني بأيدي شخص واحد، مهما كانت قدرات هذا الشخص او مكانته.ولا يحتاج المرء الى عناء كبير كي يدرك ان نجاح سياسات حكومة شارون، حتى الآن على الاقل، في طمس حقوق الفلسطينيين المشروعة، رغم حجم القمع والدمار الذي الحقته بالشعب الفلسطيني، انما يعود بالذات، غير الدعم الامريكي التقليدي، الى كونها حكومة منتخبة من جهة، ومن جهة اخرى تعتمد في صناعة قرارها على مؤسسات واجهزة مختلفة، سياسية وعسكرية وامنية وبرلمانية. لقد مكنها ذلك من تجاوز العديد من مواقف الصدام المحتملة مع الولايات المتحدة، كما دفع الاتحاد الاوروبي الذي كان حتى وقت قريب الاكثر تفهما لمعاناة الفلسطينيين وادراكا للوضع الصعب الذي تعيشه السلطة الفلسطينية، دفعه الى عكس موقفه مئة وثمانين درجة ومطالبته لهذه السلطة بالرضوخ للاملاءات الاسرائيلية. ورغم الاخطاء الكبيرة التي ترتكبها حكومة شارون غير ان المجتمع الدولي يصبح عاجزا عن محاسبتها، في ظل قيادة فلسطينية لا تطمح الى اكثر من ان يرضى عنها شارون ويقبل بالجلوس معها على طاولة المفاوضات. اضف الى ذلك ان اسرائيل فرضت الاقامة الجبرية على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في رام الله، ولم تحرك معظم دول العالم ساكنا، وحتى المسئولون الاجانب الذين يزورون عرفات في رام الله، لم يستوقفهم وضع الرجل، ولا تثيرهم محنته. على ماذا يدل ذلك؟ انه يدل على ان اسرائيل نجحت في ادارة معركتها مع السلطة الفلسطينية (رغم الارهاب الذي تمارسه ضد الفلسطينيين)، وهذا النجاح لم يكن ليتحقق لو كانت هذه السلطة تدير شئون الفلسطينيين وشئون التفاوض مع الحكومات الاسرائيلية انطلاقا من امتلاكها لقاعدة شعبية حقيقية افرزتها صناديق الاقتراع، وقادرة على محاسبتها واسقاطها اذا لزم الامر. ومن المفهوم ان يلتف الفلسطينيون حول سلطتهم ورئيسها سيما في ظل الاستهداف الاسرائيلي، والكم الهائل من الاهانات التي توجهها حكومة شارون لهذه السلطة، لكن هذا لاينبغي ان يكون بديلا عن مطالبة القيادة الفلسطينية باصلاح اوضاعها الداخلية، كما لا ينبغي ان يكون بديلا عن اعمال النقد لسياساتها واجراءاتها، ان كانت هذه متعلقة بالمفاوضات ومجمل العلاقة مع الجانب الاسرائيلي او فيما خص ادارتها للحياة اليومية للمواطنين الفلسطينيين.ففي النهاية لن يهزم شارون بمجرد التحايل اللفظي والتكتيكات السياسية التي تفتقر الى اي معنى، كما ان المفاوضات السياسية مع الحكومة الاسرائيلية الراهنة، لن تفضي الى اكثر من هدنة هدفها شراء الوقت ورفع الاحراج عن الادارة الامريكية. الذي يمكنه ان يهزم حكومة شارون حقيقة هو اطلاق المجال لقوى المجتمع الفلسطيني المدني لممارسة السياسة والمزيد من السياسة. فهذه القوى بنضالها السلمي ومقاومتها السياسية ستكون افضل اداء من الاجهزة الامنية. كما ستكون اكثر اقناعا ورقيا من العمليات الانتحارية التي يشنها مسلحو حماس والجهاد الاسلامي، ويسقط بين ابرز ضحاياها النضال الفلسطيني المشروع. ان الحديث عن دلالة عالم مابعد هجمات سبتمبر الاجرامية على الولايات المتحدة، هو حديث مهم، لكنه لا يجب ان يستخدم فقط لتبرير وقف النشاط الفلسطيني المسلح ضد اسرائيل، والا اصبح لا معنى له مثل هذا الحديث ينبغي ان يؤدي ايضا الى وقفة تأمل في اداء السلطة الفلسطينية طوال الفترة الماضية، يصاحبه رغبة جادة في الارتقاء بالوضع الداخلي الفلسطيني في اتجاه تحقيق الديمقراطية واعتماد المحاسبة والشفافية على كافة مستويات السلطة من جهة، ومن جهة اخرى استيعاب كافة النسيج الفلسطيني في اطار عملية صنع واتخاذ القرار، سيما فيما يتعلق بالقضايا المصيرية كي تكون هذه السلطة معبرة فعلا وبشكل ملموس عن الشعب الفلسطيني وهو ما يمكن ان يحميها من الزلل والاخطاء الفادحة (او على الاقل يخفف منها الى حد كبير) وهي تواجه مرحلة من اصعب مراحل النضال الفلسطيني. ـ كاتب من البحرين