الحرب الجوية الأمريكية الدائرة في افغانستان هي اذن عبارة عن معرض تجاري متحرك «على الطبيعة»، للترويج لأحدث ما أنتجته شركات السلاح الأمريكية من طائرات حربية ذات تكنولوجيا عالية، ولو جاء هذا القول من أعداء الولايات المتحدة لجاز اعتباره محاولة للاساءة الدعائية الى اسم أمريكا كدولة عظمى من المفترض انها تسمو بنفسها عن الاستهانة بتعريض أبرياء عزل لعمليات قتل جماعي في سبيل ترويج سلعة تجارية باسم اف ـ 16 مثلا. لكن القول يأتي من داخل الادارة الامريكية نفسها. فالفريق توم وولترز الذي يحتل مركزا مرموقا داخل وزارة الدفاع الامريكية «البنتاجون» كمدير للوكالة التي تدبر مبيعات السلاح، قال صراحة ان الولايات المتحدة تسعى لتعويض خسائرها في مبيعات الطائرات الحربية في سوق السلاح العالمية العام الماضي. وأفضل اسلوب ترويجي، يقول الفريق وولترز، هو استعراض عملي ميداني لأداء الطائرات الأمريكية في مسرح العمليات الأفغاني. الحرب الأمريكية في افغانستان كانت اذن ستقع بقدر حتمي حتى لو لم تقع حادثة تفجير البرجين ومبنى البنتاجون في 11 سبتمبر الماضي. وبتعبير أدق فانه يمكن القول انه حتى لو لم تعثر الادارة الامريكية الراهنة على ذريعة قوية لارسال مقاتلات وقاذفات قنابل من أحدث طراز الى افغانستان، فانها ما كانت لتتوقف عن البحث عن أي ذريعة في مكان آخر من الدنيا.. من اجل انشاء معرض تجاري ترويجي ذي طبيعة دموية «على الطبيعة». ولنقلب في صفحات التاريخ القريب: اذا كانت حادثة اغتيال الرئيس الامريكي جون كينيدي في عام 1963 لا تزال غامضة، فان احدى النظريات التي راجت بشأنها تشير بأصبع الاتهام الى طاقم كبار جنرالات البنتاجون آنذاك. هم، تقول النظرية، الذين دبروا الحادثة نيابة عن مجمع شركات السلاح الأمريكية. لماذا؟ لأن الرئيس كينيدي كان بسبيل التوقيع على قرار حاسم يقضي بسحب القوات الأمريكية من الحرب الفيتنامية، وبالتالي انهاء الحرب. ووضع نهاية للحرب كان معناه ان تخسر شركات انتاج السلاح مليارات من الدولارات بسبب تقلص او توقف تعاقدات مبيعات السلاح الى الحكومة الفيدرالية. «تجار الحروب» كان نعتا تدمغ به الدعاية السوفييتية الماركسية مجموعة الدول الرأسمالية الغربية بزعامة الولايات المتحدة خلال مرحلة الحرب الباردة. والمغزى العام لهذا النعت هو ان مبدأ الربح التجاري بالمفهوم الرأسمالي العالمي لا يعرف انسانية. فالضرورة الربحية تقتضي اشعال حروب عمدا من حين لآخر، من اجل خلق أسواق جديدة او توسيع أسواق قائمة للمنتجات المتجددة لشركات السلاح. وخلق الحروب يقتضي بدوره خلق أزمات مفتعلة في مختلف انحاء العالم وتطوير الازمات الى بؤر توتر. لقد منيت الولايات المتحدة، كما قال الفريق وولترز، بخسائر جسيمة العام 2001 في السوق العالمية لتجارة الطائرات الحربية. وقول وولترز تدعمه بيانات احصائية صادرة عن «اتحاد الصناعات الجوية» في الولايات المتحدة. ووفقا لهذه الاحصائيات تراجعت صادرات الولايات المتحدة من المقاتلات وقاذفات القنابل في عام 2001 الى 200 مليون دولار بالمقارنة مع 1300 مليون دولار في عام 2000 و2500 مليون دولار في عام 1999. والآن، وبعد اقامة «المعرض التجاري» الدموي في افغانستان الذي جرى فيه ميدانيا استعراض اداء الطائرات الامريكية أمام أعين زبائن المستقبل، فان الولايات المتحدة تتطلع الى منافسة حلفائها الغربيين للفوز بعقود مشتريات من كوريا الجنوبية وبولندا والنمسا والبرازيل. لقد عرضت البضاعة الامريكية فوق أجواء افغانستان بنجاح منقطع النظير لا شك انه يثير اعجاب زبائن السلاح.. ولكن كم تبلغ حصيلة هذا العرض من الضحايا الأبرياء من رجال وأطفال ونساء على الأرض.