بلاغ ثان لكل من يهمه الأمر في العالم العربي والاسلامي.. اسرائيل وضعت يدها على مناجم ومصانع في كازاخستان تنتج آلاف الأطنان من اليورانيوم سنويا. وأصبحت هذا العام مالكا رسميا وبصورة نهائية لمجمع ضخم لمعالجة اليورانيوم، ينتج ما يكفي لصنع ترسانة كاملة من الأسلحة النووية كل عام. وبينما كان العرب نائمون في العسل كانت اسرائيل تسعى بهدوء للسيطرة على ثروات كازاخستان الهائلة من اليورانيوم، والتي يقدرها بعض الخبراء بنحو ربع احتياطيات العالم من خامات هذا المعدن الاستراتيجي المهم. شركة سابيتون ليميتيد أحد فروع شركة أفريطا - اسرائيل انفيستمنت الاسرائيلية القابضة اشترت مجمع تسيليفا للتعدين والكيمياء في كازاخستان بكل موجوداته.. وهو أحد أكبر مجمعات معالجة اليورانيوم الخام في العالم. وبذلك تحصل الدولة الصهيونية على ناتج معالجة 130-150 طنا من خامات اليورانيوم كل شهر.. أي ما يبلغ نحو 1560 - 1800 طن سنويا.. والمثير حقا أن الصفقة تمت بثمن بخس بصورة يصعب تصديقها.. بالمجان تقريبا!! وبالتقسيط المريح علاوة على ذلك: الشركة الاسرائيلية اشترت المجمع الكازاخي الضخم، بكل موجوداته بمبلغ 36 مليون تنجي كازاخي.. أي ما يعامل ثلاثمئة وثلاثة عشر ألفا وستمئة دولار!ـ الدولار يساوي 11 تنجي - مع التزام الشركة بدفع أجور العاملين المتأخرة وقدرها 270 مليون تنجي أي ما يعادل مليونين وثلاثمئة وخمسين ألف دولار، أي أن الصفقة كلها كلفت اسرائيل 36 ملايين تنجي أو ما يعادل مليونين وستمئة وثلاثة وستين ألف دولار ـ الحياة - 6 مايو 1999 - وبالرغم من تفاهة المبلغ فقد تم الاتفاق على دفعه بالتقسيط على سنتين، انتهتا هذا العام!! صفقة مشبوهة وما يبعث على الذهول حقا هو أن انتاج مجمع تسيلفيا للتعدين والكيمياء عام 1998 السابق على عقد الصفقة بلغت قيمته سبعة عشر مليونا ومئة وستين ألف دولار - 1716 مليون دولار - أي ما يعادل سبعة أمثال قيمة الصفقة كلها!! وغني عن البيان أن قيمة مثل هذه المنشآت الحساسة لا تحددها أسعار انتاجها، بل أهميتها الاستراتيجية الكبرى. وما يزيد الشبهات حول هذه الصفقة أن الحكومة الكازاخية قررت إشهار افلاس المجمع وبيعه الى الشركة الاسرائيلية بالرغم من النمو الكبير لانتاجه، بنسبة قدرها 39% عام 1998 مقارنة بانتاجه في العام السابق مباشرة!! وبديهي أن اليورانيوم المعالج ليس سلعة يمكن الحديث عن ركودها أو صعوبة تصريفها. فهو سلعة استراتيجية بالغة الأهمية مطلوبة على أوسع نطاق في العالم كله. وما دام الأمر كذلك فإن من الصعب تقديم تفسير منطقي لإشهار افلاس مجمع تسيليفا أصلا. ثم بيعه لدولة أجنبية.. ومقابل هذا الثمن البخس، مع التضحية بما تحققه الدولة المالكة من مكاسب طائلة كل عام، فضلا عن الأهمية الاستراتيجية لمثل هذه المنشأة الحساسة. واضح أن الصفقة تكتنفها أجواء الفساد السائدة في صفوف النخب الحاكمة في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. وهو فساد تتنافس فيه جميع تلك النخب. لكن الفساد لا يكفي لتفسير صفقة بمثل هذه الحساسية. فهناك جوانب تتصل بالتغلغل الصهيوني الواسع في كازاخستان منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، ذلك التغلغل الذي يمتد من مختلف مجالات النشاط الاقتصادي الى الاعلام، ومن التعاون في المجالات الأمنية والمخابراتية الى مجال الفضاء.. الخ على نحو ما سوف نوضح. الأمر المؤكد أيضا أن هناك ضوءا أخضر أمريكيا لابرام الصفقة. فالولايات المتحدة تمتلك نفوذا سياسيا واقتصاديا وعسكريا كبيرا في كازاخستان. والرئيس الكازاخي نزار باييف محاط بالمستشارين الأمريكيين في مختلف المجالات. والولايات المتحدة تفرض رقابة مخابراتية صارمة على تداول وتجارة المواد والتكنولوجيا النووية في تلك الجمهورية، وخاصة حينما يتعلق الأمر بصفقات بمثل هذه الضخامة. ويكفي أن نشير الى أن دولة كبرى مثل روسيا تواجه صعوبات جدية مع أمريكا بسبب تعاونها مع ايران في بناء مفاعل بوشهر النووي، رغم أن هذا التعاون يتم في اطار مراقبة وكالة الطاقة الذرية الدولية. ومن الضروري هنا الاشارة الى أن الصفقة المذكورة لا تحقق لاسرائيل وضع يدها بالمجان تقريبا على عملية معالجة كمية هائلة من خام اليورانيوم 1560 - 1800 طن سنويا فحسب.. لكنها تتيح لها أيضا السيطرة على مناجم اليورانيوم التي ترسل خاماتها للمعالجة في المجمع. وبهذه الطريقة فإن اسرائيل تضمن توفير كل حاجاتها من اليورانيوم اللازم لتعزيز ترسانتها النووية، واحتياجات مفاعلاتها غير العسكرية في الحاضر والمستقبل. ليس هذا فحسب، بل إنها تصبح أيضا لاعبا مهما في أسواق اليورانيوم العالمية بكل ما يضفيه هذا من أهمية على الدولة، وما يفتحه لها من آفاق جديدة. تعاون فضائي ومن ناحية أخرى فإن الدولة الصهيونية تضع يدها على خبرات فنية متقدمة وبالغة الأهمية في المجال النووي. إذ أنها تتسلم المجمع بفنييه ومهندسيه وخبرائه، الذين يمتلكون خبرات ضخمة ترجع الى العهد السوفييتي، ومستوى تقدم الصناعة النووية السوفييتية غني عن التعريف. وبخطوة مثل هذه الصفقة تنتزع اسرائيل لنفسها مكانا شرعيا وسط المجتمع العلمي - النووي - في كازاخستان، الأمر الذي يتيح لها اجتذاب مزيد من خبراء وعلماء الفيزياء النووية ذوي المستوى الرفيع وهذا مكسب لا يستهان به يضاف الى ما هو موجود بالفعل لدى الدولة الصهيونية من خبرات علمية متقدمة. فكازاخستان «17 مليون نسمة» دولة تمتلك قدرات وطاقات علمية كبيرة. وكانت واحدة من أكثر الجمهوريات السوفييتية تقدما من الناحية العلمية. ويكفي أن نشير الى أن جامعاتها ومراكزها العلمية تخرج فيها عام 1987 أي قبل أعوام قليلة من انهيار الاتحاد السوفييتي 2806 من الحاصلين على درجة الكانديدات المعادلة لدرجة الدكتوراه PHD في الفيزياء والرياضيات، و446 من الحاصلين على درجة دكتوراه العلوم DSC في الفرعين المذكورين. وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تظل كازاخستان قوة علمية لا يستهان بها ففي عام 1996 مثلا حصل 993 باحثا على درجة دكتوراه العلوم في الفيزياء والرياضيات من المعاهد العلمية الكازاخية - جريدة أرجومينتي أي فاكتي كازاخستان - العدد 178 - 42 - أكتوبر 1998 - باللغة الروسية. كما يوجد بصحراوات كازاخستان الشاسعة - مساحة البلاد 2717 مليون كيلو متر مربع - مطار بايكونور الفضائي الشهير.. وهو مركز اطلاق سفن الفضاء، وتجارب الصواريخ وأبحاث حرب النجوم في العهد السوفييتي. ولا تزال روسيا تستأجره وتستخدمه لنفس الأغراض حتى الآن. وقد استفادت اسرائيل من قاعدة بايكونور الفضائية في اطلاق أكثر من قمر صناعي، كان أولها قمر اسرائيلي للأبحاث العلمية والاتصالات تم اطلاقه في يوليو 1998 بواسطة صاروخ روسي. وجدير بالذكر أيضا أن أكبر حقل لاجراء التجارب النووية في العهد السوفييتي يوجد في منطقة سيميبالاتيفسك الكازاخية. وشارك العلماء الكازاخ في ادارته على مدى عقود. واذا كان التعاون النووي بين اسرائيل وكازاخستان قد وصل الى الحد الذي ذكرناه، فليس من المستبعد أن تستفيد الدولة الصهيونية من امكانيات الحقل في اجراء تجاربها النووية، اذا لم يكن هذا قد حدث بالفعل. تغلغل اقتصادي واسع والواقع أن اسرائيل لم تكن لتستطيع الدخول في مجالات حساسة للتعاون مع كازاخستان كالمجال النووي والفضائي - والأمني على نحو ما سنوضح - لولا مبادرة الدولة الصهيونية للاعتراف بكازاخستان واقامة العلاقات الدبلوماسية معها بمجرد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، والاهتمام بتبادل الزيارات بين المسئولين على أعلى مستوى، ورجال الأعمال، وتطوير التعاون الاقتصادي في المجالات التي تحتاجها كازاخستان، وتوظيف الاستثمارات فيها منذ وقت مبكر للغاية.. بعد شهور قليلة من استقلالها. فمنذ عام 1992 كانت شركة بيزك الاسرائيلية للاتصالات مثلا قد بدأت في تطوير شبكة الاتصالات الكازاخية.. وكانت شركة كباليم قد اتفقت على اقامة مصنع الكابلات، وكانت الهيئات الحكومية الاسرائيلية المهتمة بالزراعة وكذلك الشركات الزراعية قد بدأت في بحث اقامة مشروعات مشتركة ونقل تكنولوجيات اسرائيلية الى كازاخستان في مجال الري والزراعة والصناعات الغذائية. وكانت مجموعة شركة الملياردير الاسرائيلي - النمسوي شاؤول إيزينبرج قد اتفقت على عدد من المشروعات المشتركة تبلغ قيمة الاستثمارات فيها أكثر من مليار دولار في مجالات تمتد من الزراعة الى تكرير النفط والصناعات الكيماوية.. الخ وبدأ التنفيذ فعلا أواخر 1992 وأوائل 1993. كما اهتمت اسرائيل باقامة خط جوي بين تل أبيب وآلما-آتا.. الخ الخ.. بينما كانت بعض البلدان العربية لا تزال تفكر في اقامة علاقات دبلوماسية مع كازاخستان.. كبرى دول آسيا الوسطى الاسلامية وأكثرها تقدما. وقام الرئيس الكازاخي نزار باييف بزيارة لاسرائيل تم خلالها توقيع 14 اتفاقا لتنظيم التعاون بين البلدين، بالاضافة لاعلان صداقة بينهما. كما قام ناتان شارانسكي على رأس وفد كبير من رجال الأعمال الاسرائيليين بزيارة لكازاخستان تم خلالها توقيع اتفاقية للتعاون التجاري والاقتصادي، والاتفاق على قيام شركات اسرائيلية مثل اسرائيل ميليتاري إنداستريز بالمشاركة في مشروعات تطوير شبكة الاتصالات الكازاخية وكذلك قيام اسرائيل باعداد الكوادر الكازاخية في مجالات بناء اقتصاد السوق - صحيفة بانوراما الكازاخية - 3 يوليو 1998 - باللغة الروسية. والواقع أن تركيز اسرائيل على الاهتمام بتطوير التعاون الاقتصادي مع كازاخستان وغيرها من دول آسيا الوسطى السوفييتية السابقة ساعد على تطوير جوانب التعاون الأخرى السياسية والأمنية وغيرها بسرعة كبيرة في سنوات التسعينيات. وحقق للدولة الصهيونية تواجدا قويا في أغلب تلك الدول، وفي مقدمتها كازاخستان وأوزبكستان. وفي المقابل فإن التركيز العربي على الجوانب الثقافية والدينية في العلاقات مع تلك البلدان، بما فيها كازاخستان، وضعف الاهتمام بتطوير العلاقات الاقتصادية معها، وخاصة في مجال توجيه الاستثمارات، ودراسة احتياجاتها التنموية.. كلها أمور أضعفت امكانية تطوير العلاقات بين الطرفين بالشكل المرجو، وتركت لاسرائيل مساحات واسعة.. لتعزيز علاقاتها بتلك الدول على حساب علاقاتها بالدول العربية. الموساد هناك ومع نمو الحركة الأصولية ثم اشتعال الحرب الأهلية في طاجيكستان، ثم مع صعود طالبان، ودعمها لبعض الحركات المتطرفة في بلدان آسيا الوسطى، بدأت الأنظمة العلمانية في تلك البلدان تنظر الى الأصولية الاسلامية باعتبارها أكبر خطر يهددها. وكانت اسرائيل جاهزة.. ومعها الجماعات الصهيونية ذات النفوذ القوي في دول الاتحاد السوفييتي السابق. وهكذا بدأ التعاون المخابراتي لمكافحة الارهاب الاسلامي بين اسرائيل ودول آسيا الوسطى ومعها أذربيجان في القوقاز. وبدأ منذ أواسط التسعينيات تنفيذ برامج اسرائيلية لتدريب رجال المخابرات في تلك الدول على أساليب مكافحة الارهاب ونقل الخبرة الاسرائيلية في مكافحة ما تسميه الدولة الصهيونية الارهاب الفلسطيني - صحيفة أرجومينتي إي فاكتي ازاخستان - العدد 42 أكتوبر 1998 - وانظر أيضا - صحيفة الحياة اللندنية - 7 يوليو 2001 - واستمرت الحال على هذا النحو طوال التسعينيات، في ظل اهتمام أمريكي بدعم هذا التوجه، وتعزيز التعاون المخابراتي بين اسرائيل ودول آسيا الوسطى، بمشاركة من المخابرات الأمريكية بالطبع، وخاصة بعد أن بدأت الحركة الأصولية تصطدم بالولايات المتحدة وتوجه الضربات الى مصالحها. وبعد أحداث سبتمبر 2001 كانت كازاخستان من أوائل الدول التي عرضت تقديم مطاراتها واجوائها لتستخدمها الولايات المتحدة في شن الحرب على أفغانستان، بغض النظر عن قيام دليل قوي على ضلوع تنظيم القاعدة في أحداث نيويورك وواشنطن من عدمه. وكان طبيعيا أن يترافق مع هذا تعزيز التعاون المخابراتي بين دول آسيا الوسطى بما فيها كازاخستان من جهة والـ CIA والموساد من جهة أخرى، تحسبا لأية هجمات انتقامية يقوم بها تنظيم القاعدة وحلفاؤه في المنطقة من جهة، واستعدادا لضرب هؤلاء الحلفاء ومطاردة الهاربين من أفغانستان في اتجاه دول آسيا الوسطى من جهة أخرى. وتشير التقارير الصحفية خلال الأيام الأخيرة الى وقوع عديد من الأفغان العرب في قبضة أجهزة الأمن في تلك البلدان بالفعل. والواقع أن ظروف الحرب الأفغانية تشير الى أن التعاون بين مخابرات دول آسيا الوسطى وكل من الCIA والموساد مرشح لأن يتعزز أكثر خلال الفترة المقبلة. ـ كاتب مصري