الصراع السياسي بمستوييه العسكري والدبلوماسي معركة شاملة تستخدم فيها أسلحة وتكتيكات متعددة، وبتراكم خبرات وتجارب الأمم صار هناك ميراث يمكن الاستفادة منه وتناقله. ومن تكتيكات الصراع المعروفة الربط بين قضيتين أو أكثر واشتراط تسويتهما بشكل متزامن . وقد استخدم هذا التكتيك في تاريخ المنطقة العربية كثيرا، ففي أثناء الحرب العالمية الأولى استغل الغرب حالة التردي التي أصابت العلاقات العربية التركية وأقنعوا الشريف حسين بن علي بالانحياز لبريطانيا وحلفائها ضد الأتراك مقابل مكاسب سياسية، وقبل انتهاء الحرب انفجرت في وجه العرب ـ وفي مقدمتهم الشريف حسين نفسه ـ قنبلة اتفاقية سايكس / بيكو التي كانت البداية الحقيقية لتحول الدول اليهودية من فكرة إلى واقع، ولم تنته المفاجآت السياسية فأصدرت بريطانيا وعد بلفور المشئوم قبل أن يجف حبر مراسلات الحسين / مكماهون . وتكرر استخدام التكتيك مرة أخرى في الحرب العالمية الثانية عندما دعت بريطانيا حكومات الدول العربية الواقعة تحت الاحتلال البريطاني إلى الوقوف معها ضد المحور مقابل الحصول على استقلالها بعد الحرب، وقبلت الدول العربية الوصل بين القضيتين فإذا ببريطانيا بعد الحرب لا تكتفي بالتنصل من وعودها بل ترتكب بدم بارد أبشع جريمة ارتكبت بحق العرب في القرن العشرين وهي رعايتها نشأة الكيان الصهيوني. وعلى قاعدة هذا التكتيك صرح الخبير الفرنسي ألكسندر أدلير المتخصص في شئون الشرق الأوسط والعالم الإسلامي في حوار للقناة التلفزيونية الفرنسية TV5 بأنه يجري في أمريكا الإعداد لصفقة سياسية مثيرة بين ما يسمى بـ الحمائم و الصقور داخل الإدارة الأمريكية، وترتكز على طرفي معادلة: الأول، يتعلق بالموقف من العراق، والطرف الثاني، الأراضي الفلسطينية. وحسب ما ذكر أدلير فإن الحمائم وعلى رأسهم وزير الخارجية الأمريكي كولن باول يريدون تغييرا عميقا في السياسة الأمريكية تجاه الكيان الصهيوني، أما الصقور فانهم يتنازلون عن بعض مواقفهم تجاه الكيان الصهيوني مقابل تغيير في موقف الحمائم تجاه العراق . وعليه فإن باول يوافق على إحداث تغيير عميق ـ بالقوة ـ داخل العراق، ومقابل الإطاحة بنظام الحكم في العراق، فإن الولايات المتحدة تفرض على شارون الانسحاب الكامل من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. ويضيف الخبير الفرنسي أن الأفكار الأمريكية الجديدة قد تفسر الحديث مجددا عن أسلحة العراق، وضرورة تغيير نظام الحكم في العراق من جهة، ومن جهة أخرى الحديث عن إقامة دولة فلسطينية. وبغض النظر عن صحة المعلومة ومدى إمكان تحويل مثل هذه الصفقة من فكرة إلى واقع، يثير هذا الطرح قضية الفصل والوصل بين القضايا السياسية المختلفة، والمنطق الذي يحكمه كما يضع مؤسسات الدبلوماسية العربية أمام تحد كبير لبلورة موقف عربي من العلاقة بين القضايا المختلفة وجدوى الوصل والفصل بينها . فعندما غزا العراق الكويت وتبنى دعوة للربط بين تحرير الكويت وتحرير فلسطين، وهو ما اعتبره كثيرون آنذاك ربطا مفتعلا هدفه التأثير في مشاعر الشارع العربي . وعندما انعقدت مفاوضات مدريد كانت مفاوضات جماعية أكدت ترابط الملفات التي يشملها التفاوض وهو المكسب الذي حرص الكيان الصهيوني على أن يسلبه من الطرف العربي، فلم تكن قوة الموقف العربي متوقفة على هذا التفاوض الجماعي، لكنه كان يعني أن ثمة صراعا أو حتى نزاعا بين العرب مجتمعين والكيان الصهيوني، ومن المؤكد أن هذا لا يتفق مع المخطط الصهيوني الذي يفيده تفكيك الصراع - من خلال صيغة المفاوضات الثنائية - وصولا إلى تفكيك المنطقة العربية، وعلى ذكر المفاوضات لم يجشم أحد نفسه عناء التساؤل عن جدوى التفاوض مع الاتحاد الأوروبي في مفاوضات الشراكة العربية الأوروبية التي وصلت إلى مرحلة توقيع اتفاقات شراكة مع معظم الدول العربية، لكنها جميعا اتفاقات شراكة ثنائية وهذه الاتفاقات الثنائية لم تتجاوز فقط الإطار العربي الواحد بل تجاوزت أطر التعاون الإقليمية العربية، والأمر نفسه ينطبق على مشروعات الشراكة العربية الأمريكية . ولم تتوقف الاختبارات الصعبة فعندما دعا البعض إلى وضع القضية الفلسطينية على جدول أعمال ما يسمى تجاوزا التحالف الدولي ضد الإرهاب بعد أفغانستان وجدت الولايات المتحدة أن الفصل يخدم مصالحها أكثر من الوصل ، فأعلن جورج بوش بصرامة : سننتصر في أفغانستان سواء تم حل مشكلة الشرق الأوسط أم لا . وعندما أذيع شريط مصور لأسامة بن لادن يتحدث فيه عن أحداث 11 سبتمبر بوصفها نتيجة مباشرة للانحياز الأمريكي للكيان الصهيوني حدثت مفارقة أكبر، إذ توزع الخطاب الإعلامي العربي الرسمي وغير الرسمي على النحو التالي : ـ فريق يؤكد أن خطاب أسامة بن لادن نوع من التمسح في القضية الفلسطينية، وهذا الفريق نفسه الذي طعن في مصداقية خطاب بن لادن تبنى مضمون خطابه مع تحوير بسيط مفاده أن حل القضية الفلسطينية شرط موضوعي للقضاء على الإرهاب من الجذور . ـ وفريق ثان، تمثله أقلية، انتبه إلى مخاطر هذا الربط على أي نحو واعتبر هذا الخطاب، بالصيغة التي تبناها بن لادن والصيغة التي تبنتها جهات رسمية على السواء، خطابا بائسا يفتقر إلى أبسط معاني بعد النظر . ـ فريق ثالث شغلته بالقدر الأكبر قضية القضاء على الإرهاب من الجذور، ولم يكتف برفض منطق ربطها بالقضية الفلسطينية بل تجاوز ذلك إلى اعتبار قضية الإرهاب في المقام الأول ذات جذور ترتبط ببنية النظام السياسي في الدول العربية التي شهدت معارضة أصولية مسلحة، وهي ظاهرة ترتبط بتردي حالة حقوق الإنسان بشكل دفع العمل السياسي من العلن إلى السرية . والهدف من عرض هذه التحليلات ليس الانحياز إلى أي منها،بل طرح قضية الفصل والوصل بين القضايا والمنطق الذي يحكمها، فالطرف الآخر يجيد التلاعب بهذه الوسيلة، وهو يعرف جيدا متى يصل ومتى يفصل، والتجارب التي قبلنا فيها الوصل بين الصراع العربي الصهيوني وأية قضية أخرى لم يتم إخضاعها لأي نوع من التحليل ليمكننا بناء عليه تأسيس خبرة عربية في هذا المجال، حتى لا نقف دائما أمام المشاريع التي تطرح علينا دون رصيد نستند إليه ويعطينا بدائل للاختيار أو مساحة للمناورة . ويظل السؤال مطروحا وعلى الإجابة عليه تتوقف أمور كثيرة مهمة في الحاضر والمستقبل!! ـ كاتب مصري