من اللافت للنظر ان رئيس الحكومة البريطانية توني بلير قد تبوأ مكانا مرموقا بين من أسهموا في اعداد المسرح وتهيئته للحرب ضد الارهاب الدولي. حيث كان بلير عنصرا نشيطا في حملة الإعداد هذه التي طاف خلالها دولا عدة، خاصة اسلامية وعربية، من أجل تعبئة المسرح دوليا واقليميا وتمهيده لاستقبال ما أصبح بعد ذلك «الحملة على طالبان». وها هو بلير يعود اليوم من جديد، وفي غضون أشهر قليلة الى مسرح الأحداث في الهند وباكستان للإسهام في اطفاء الحريق الذي بدا ان اشتعاله سوف يفسد الكثير من خطط القضاء على الارهاب.. بل قد يتسبب ـ هو ذاته ـ في اشعال حرب كونية ثالثة لا تبقي ولا تذر. من العنت والغلو احتساب اخطاء بريطانيا العظمى التي خلفتها في الشرق الأوسط أو في شبه القارة الهندية بعد انسحابها مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وتحميلها على طاقم الحكم في بريطانيا اليوم، فهو طاقم يحمل أفكارا جديدة، كما انه ينطلق من خلفية سياسية واجتماعية مختلفة في كثير من الأمور عن طاقم الحكم حتى وقت متأخر من تاريخ بريطانيا. غير ان المشكلتين المسببتين لكل هذا الخلط في الأوراق في منطقة الشرق الأوسط واللتين تثيران زوابع غير متوقعة بين فترة وأخرى، هما مشكلتان من مخلفات الحكم والهيمنة البريطانية، ففي الشرق الأوسط قضية فلسطين التي سببت عددا من الحروب ولاتزال تسبب المعاناة الثقيلة لكل من حولها، وكذلك في القارة الهندية مشكلة كشمير التي تهدأ قليلا وتشتعل كثيرا... هاتان القضيتان أيقظتا كثيرا من التعصب وتسببتا في سفك كثير من الدماء، وهما قضيتان تتطابقان كثيرا من حيث جوهر كل منهما، وان اختلفتا في بعض التفاصيل. من متغيرات السياسة ان الدولة التي تسببت كليا أو جزئيا في خلق هاتين المشكلتين تتصدر قائمة الدول التي تحاول ـ الآن ـ اطفاء الحريق، ويجيء واحد من أفضل ساستها بعد جيل واحد فقط كي يضطلع بدور حمامة السلام في كلتا القضيتين كشمير وفلسطين. قضية كشمير أصبحت قضية فارقة في الكيان السياسي الهندي وهي تحتل الصفة نفسها بالنسبة الى الكيان السياسي الباكستاني، وبسببها وقعت مجموعة من الانقلابات في باكستان، كا حدث كثير من الانجراف نحو اليمين والتعصب في الهند، وهي كانت منذ زمن ولاتزال مدخلا شبه شرعي للتدخلات الدولية في شبه القارة الهندية، تلك المنطقة الأكثر اكتظاظا ديموغرافيا على مستوى العالم. في التقسيم الذي حدث عشية انسحاب بريطانيا من القارة الهندية، زحفت باكستان الى ثلث الاقليم الكشميري تقريبا، على أساس ان كشمير لها، وهي التي تقطنها أغلبية مسلمة، يجب ان تكون باكستانية بالضرورة، ومنذ ذلك الوقت تعطل أحد القرارات الدولية بشأن تقرير المصير حتى اليوم، وأصبح الاقليم بؤرة صراع طويل امتد بين الهند وباكستان، وقد فقدت هذه الأخيرة في مطلع السبعينيات أكثر من نصفها البنغالي (بنجلاديش) بتأثير غير قليل من التدخل الهندي النشيط وقتها، كما عانت الهند الفقيرة ـ والمنهكة بأعباء زهاء مليار نسمة هم تعداد مواطنيها ـ من انفاق الكثير من مواردها الاقتصادية في تداعيات تلك المشكلة. ومنذ فترة طويلة ظل الموضوع الكشميري يمثل حجر الزاوية في السياسة الداخلية في باكستان، وقد كان سببا في تغيير الحكومات الباكستانية غير مرة، مما نجم عنه توتر شبه دائم بين الدولتين باكستان والهند اللتين تقتربان، شيئا فشيئا، من خوض الحرب الشاملة. لكن التغيرات الدولية بعد الحادي عشر من سبتمبر بدا انها تعد العدة لارساء التنظيم الدولي الجديد، وعلى رأس اولوياته عدم ترك بؤر الصراع ـ مهما بعدت عن المركز ـ لتتفاعل دون العمل على استيعابها واحتوائها.. أو تترك لتغلي من دون تهدئة، حتى تبلغ حد الانفجار، من هنا جاء تدخل الدبلوماسية البريطانية النشط بحثا عن مخارج للأزمة، وربما يكون هذا فاتحة لتدخل الولايات المتحدة الاكثر نشاطا وتأثيرا في القادم من الايام. تكمن خطورة المشكلة الكشميرية في انها اصبحت قضية وطنية للطرفين، وهما طرفان متباعدان في نظرة كل منهما لهذه القضية، بسبب التغذية التاريخية النشطة للجماهير في الهند وباكستان على السواء، حتى اضحت كشمير قضية حياة او موت للبلدين، كما انهما دولتان ذواتا اذرعة ذرية تغري ببعض الصلف والثقة الزائدة بالنفس، ومن ثم فلن يقتصر صراعهما على تفجير منطقتهما الاقليمية فحسب، بل سيمتد الى اماكن واسعة منها الصين وجنوب اسيا، وربما اكثرها تضرراً المنطقة العربية وخاصة منطقة الخليج اقرب تلك المناطق من هذه البؤر الساخنة، واكثرها هشاشة. في هذه المنطقة، منطقة الخليج يعيش الهنود والباكستانيون باعداد كثيرة طلبا للعيش الكريم، ولكن ليس هناك من يستطيع ان يراهن في حالة اندلاع صراع حقيقي، على ان تبقى كل هذه الجاليات في سلم اجتماعي، بعيدا عن التصادم والعنف الذي يمكن ان يشعل توتراً يهدد الاستقرار في دول الخليج، اضافة الى ان باكستان تدين بالدين الاسلامي فيما تتعدد الاديان والعقائد في الهند. صحيح ان هذه الاخيرة يعيش على اراضيها مواطنون مسلمون يزيد عددهم على مئة مليون، وهي كثافة ربما تشكل بعض الخطر في حال اندلاع اعمال عنف بين الطرفين على نطاق واسع، مما قد يفضي الى حرب اهلية، خاصة ان ما شاهدناه في باكستان منذ اسابيع قليلة من قتل بعض من لا ينتمون الى المذهب او الديانة قتلا جماعيا امر ينذر بالخطر الممكن ان لم يكن بالخطر الداهم. ما يحدث في افغانستان من حرب على الارهاب وما سيتلوه من خطوات دولية في اماكن اخرى سيحمل في نهاية المطاف عنوانا عريضا هو «الحيلولة دون تداخل الديني مع السياسي» بحيث تعود السياسة الى مكانها الصحيح بوصفها بحثا في مجال الممكن والمعقول والمقبول والنسبي.. وربما وجد اقليم كشمير في المعادلة القادمة، حلا ثالثا، ليس انتماء للهند، ولا اقبالا على باكستان، وانما يكون للكشميرين انفسهم الحق النهائي في تقرير مصيرهم، وهو اقليم بكل المقاييس ليس اقل سكانا ولا قدرة اقتصادية من عدد وافر من بلاد العالم المستقلة.. وربما شاهدنا ذلك في دولة فلسطين الموعودة. قد يكون هذا هو الحل المبتغى، وقد يكون غيره من الحلول الممكنة، ولكن المؤكد ان قضية كشمير لا يجوز ولا يحبذ ان تبقى جرحا ينزف بين الجارتين الكبيرتين الهند وباكستان، كما هي حال القضية الفلسطينية التي اهلكت من الزرع والضرع والبشر ما يفوق التخيل. احد الدروس المستفادة من احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي ان العالم، وخاصة الولايات المتحدة واوروبا، لا يستطيع العيش الهني المستقر مع ترك القضايا العالقة الشائكة، على الخريطة الدولية، دون حل او محاولة جادة للحل بذريعة ان تلك القضايا بعيدة عن المركز، لانها ان تركت تراوح مكانها فان نتائجها السلبية سوف تضرب في مكان القلب من ذاك العالم الذي لم يعد بعيدا عن مواقع الاحداث، فقد ظهرت ـ مع ثورة العولمة ـ حقيقة جديدة، هي ان مركز العالم لم يعد بعيدا عن الاطراف (!) وان «ازمة العولمة» قد جاءتنا ايضا بـ «عولمة الازمة». وما افغانستان وكشمير وفلسطين الا ملامح واضحة لعولمة الازمة، وشاهد بين على انه ليس في مقدرة البيت الابيض او عشرة داوننج ستريت (مقر رئيس الحكومة البريطانية) ان يصموا آذانهم عما يحدث في العالم البعيد لمجرد انهم لا يسمعون انات الثكالى وصراخ الجوعى واستغاثات المنكوبين فقد اصبحت اصوات الانين وجلجلة الصراخ شديدة القرب من العواصم الفاعلة في العالم، مهما ابتعدت المسافات، التي اختصرتها وسائل الاتصال الحديثة، فارضة في النهاية الانتصار لمبدأ «ضرورة اقتلاع جذور المشاكل الدولية» ليتغلب على النظرية القديمة «اتركوا الشياطين يأكل بعضها بعضا»! ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت