لسنوات طويلة كنت كلما مررت بمعلم اثري قديم او بيت من بيوت الطين القديمة اشعر بذلك الجزر الذي يشدني الى الوراء، ذلك الزمان، عطره، سكونه، حياته، روحه، اساطيره التي بداخله وخارجه، وفي كل مرة اغيب عن المكان ثم اعود ولا اجد ذلك المبنى، او تساقطت احجار جدرانه شعرت بالمرارة الغريبة التي تغيب الهوية، والذاكرة بتاريخها وتفاصيلها. وحينما بدأت ادارات التراث واقسام ترميم المباني الاثرية في بعض البلديات النشطة تعمل على اعادة ترميم احيائها، ورموزها المهمة، شمخت هذه المباني من جديد بجوار بنايات «الاسمنت والزجاج والالمونيوم والبلاستيك»، ثم تحولت اسئلة الخوف من اندثار وتغييب ذاكرة المباني الاثرية الى اسئلة لها علاقة بالاستغلال. فيما يمكن ان نستغل مبنى اثرياً تم ترميمه وتجهيزه لاستقبال الزوار. عندنا هنا تم تحويل بعضها الى متاحف، وبعضها تم استغلاله كمراكز للاشعاع الثقافي، وبعضها استغل ما حوله من مساحات وترك الاثر نفسه كخلفية لأنشطة مختلفة، ومهما تعددت اشكال الاستغلال، الا انه في النهاية صار لها الاثر حياة، بمعنى انه تواجد في ممارسات الناس، و«دبت الرجل عليه». ولكن رغم ذلك هناك عشرات البيوت المرممة لم يطلها الاستغلال الامثل حتى الان، ولا تزال هناك مقفلة ابوابها منزوية في حارات ومناطق تكتظ بعشرات المباني الحديثة، الحياة في كل شيء حولها الا هي، صامتة بذاكرتها غير المستحضرة، تنوء بجماليات الزمان القديم في سكون يشبه الموت. بالامس بدأت دورة في الشارقة حول ترميم المباني الاثرية يحاضر فيها نخبة من خبراء اليونسكو ومجموعة من الخبراء العرب، وعدد كبير من اهل الترميم في بلديات الدولة، الحضور في الدورة من قبل هؤلاء مفرح ومثير، وانكبابهم على تدوين ملاحظات المحاضرات يعزز الاهتمام الواضح. لكن نتمنى الانصات جيدا الى ما يقوله الخبراء حول النظريات الحديثة التي يتحدثون عنها والتي تنفد اساليب التعامل الحديث مع هذه الرموز الكنوز التاريخية التي تشكل الحضارة وذات الثقافة المحلية. في الندوة الاولى كان الحديث عن خطوط عامة مهمة منها ان نظريات الترميم بدأت تستند الى امور تتعلق باعادة الحياة الى تلك الاثار، بمعنى كيف يمكن لهذه المباني ان تخلق حياة لها علاقة بالثقافة وخطاب الحضارة؟. انه سؤال مهم له علاقة تماما بالمضادات الواجب اخذها ضد أي مرض حديث.. غربنة، عولمة، انسلاخ من الجذور، واشياء اخرى أيضا. halyan@albayan.co.ae