من خلال قنوات التلفزيون رحت أتابع لحظة استقبال العام الجديد، كنت متدثرا بعباءة صوف مغربية، جالسا في صالة البيت، بضغطة خفيفة أنتقل من الميدان الرئيسي بصوفيا حيث ندف الجليد تتساقط بغزارة ورغم ذلك راح بضع مئات يرقصون على أنغام فرقة تقف فوق مسرح مغطى. كذلك الحان في بعض المدن الإيطالية الرئيسية، حيث تعدد القنوات من روما. سردينيا، ليجوريا، نابولي وغيرها، إلى القنوات الألمانية لاحظت أن الحدث الرئيسي الذي يدور حوله الحوار والتعليقات هو اليورو، ورغم عدم المامي باللغات الأوروبية عدا الإنجليزية. أدركت أنه الحدث الأهم تلك الليلة، لذلك استقر بي الحال عند القناة الأوروبية الاخبارية التي تبث بعدة لغات، كان إرسالها تلك الليلة مكرسا من مدينة بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي، حيث أقيم مسرح كبير في الميدان التاريخي الكبير، وفي تمام الساعة الثانية عشرة انطلقت الألعاب النارية، وكانت ترسم الحرف الأول من اسم اليورو. أو الأورو كما ينطقوه في بلجيكا، هكذا دخلت عملة جديدة التعامل اليومي في دول الاتحاد الأوروبي عدا بريطانيا، وهكذا تعود أوروبا موحدة العملة وهذا يتحقق أول مرة منذ الامبراطورية الرومانية. منذ سنوات عديدة أتابع خطوات توحيد أوروبا، تلك الفكرة التي بدأت في الخمسينيات بإقامة سوق مشتركة بين ست دول ثم تدرج الأمر، وفي البداية كان من الصعب علي تخيل الوحدة الأوروبية، خلال القرن الماضي فقط عرفت أوروبا حربين عالميتين قتل فيهما أكثر من مئة مليون إنسان، أما من الناحية الثقافية فتعدد اللغات والأعراق حتى أن دولة مثل سويسرا تضم عدة أقسام يتحدث كل منها لغة وله ثقافته المختلفة، بل إن التنوع يشمل بلدا كبيرا ذا ثقافة عريقة مثل فرنسا، حيث توجد برويتاني في الشمال والبروفنس في الجنوب ورغم هذا الاختلاف وتلك الحروب، تقدمت خطى الوحدة بهدوء، لم يصاحبها شعارات طنانة، ولا أغان حماسية، إنما بدأت الوحدة من التفاصيل الواقعية، من الأمور الأدق المرتبطة بالمصلحة، بالاقتصاد بحياة البشر اليومية، منذ سنوات أتابع أفضل قناة تلفزيونية ثقافية في حدود ما عرفته، أعني قناة الآر تي إيه الفرنسية، الألمانية والتي تتخذ مقرا لها في مدينة ستراسبورج عاصمة أقليم الالزاس واللورين الذي دارت حوله حرب عظمى بين ألمانيا وفرنسا، فكرة القناة للرئيس فرانسوا ميتران، والفكرة ذكية، تتفهم أثر الثقافة في تحقيق التقارب بين الشعبين الجارين، اللدودين، الألماني والفرنسي، القناة ذات إرسال واحد وموجتين، واحدة باللغة الفرنسية والأخرى بالألمانية، ومن يتابع برامجها يدرك أهميتها القصوى، ليس كقناة تلفزيونية ثقافية رفيعة، إنما كعنصر تقارب بين شعب يرى أنه فوق الجميع وكان مصدرا للنظرية الفاشية وحربين عظميين وشعب آخر شديد الاعتزاز بلغته وثقافته لم يكن الفرنك الفرنسي أو المارك الألماني مجرد عملات نقدية إنما كان كل منهما رمزا وطنيا وتاريخا ممتدا إلى عدة قرون، ومن أجل الوحدة الحقيقية تم التنازل عنهما واتخاذ عملة واحدة يمكن تداولها في جميع دول الاتحاد الأوروبي، ولقد أتيح لي خلال زيارات عديدة إلى الأقطار الأوروبية الاعوام الماضية أن أتابع خطوات تقدم اليورو، وشاركت جميع أجهزة الإعلام بأنواعها المختلفة في التعريف به، وتقديمه، كانت أوراقه بفئاتها المختلفة معلقة عند مداخل البنوك، ومكاتب الصرافة، وحتى سنة مضت كان سعر السلعة يكتب مرتين الأولى بالعملة الوطنية، فرنك كان أو مارك أو ليرة أو بيزة، والمرة الثانية باليورو، ومنذ سنة بدأ الأمر ينعكس فالسعر أولا باليورو، وثانيا بالعملة الوطنية، كان ذلك تمهيدا لتلك اللحظة التي حلت عند انتصاف ليلة رأس السنة الحالية، بحيث غطت على الاحتفالات التقليدية، كان الاحتفال الضخم في أوروبا كلها بدخول اليورو إلى مجال التعامل، وتحدثت الصحف عن مشاعر المواطنين خاصة في المانيا وهم يفارقون عملتهم الرمز، ولكن من أجل تحقيق الهدف الأكبر تم التنازل حتما عن الرموز، بدون حرب أو غزو أو طنطنة، ولنا أن نتخيل العمل الهائل الذي تم حتى تحقق هذه اللحظة، وخلال الأيام الأولى الثلاثة من العام الجديد ظهرت الآثار الإيجابية على الفور، في البدء كان اليورو عملة اسمية افتراضية، تتعامل به البنوك كوحدات حسابية، وكان سعره أعلى من الدولار، ثم انخفض تدريجيا حتى اصبح تسعة من عشرة بالنسبة للدولار، بعد اعتماده عمليا ودخوله مرحلة التداول، بدأ سعره في الارتفاع تدريجيا في مواجهة العملة الأقوى، الدولار، وهنا نلمح أحد أهداف الوحدة الأوروبية، خلق كيان اقتصادي ضخم في العالم يصبح قادرا على المنافسة، ليس في مواجهة الولايات المتحدة فقط، ولكن في مواجهة الصين والولايات المتحدة واليابان انه التجسيد العملي لعصر الكيانات الكبرى. دخلت الوحدة الأوروبية حياة المواطن الأوروبي على مهل، بتدرج، بدون زعيق، إنما كما ذكرت من تفاصيل الحياة اليومية، منذ سنوات نسافر إلى أوروبا بتأشيرة موحدة يمكن بها دخول سبعة عشر بلدا الآن، تعرف بتأشيرة (نشنجن) المدينة التي تم توقيع الاتفاق بها، والحقيقة أن هذه التأشيرة الموحدة أزالت العبء عن كاهل أبناء الجنسيات الأخرى أمثالنا، فالمواطن الأوروبي الآن ليس بحاجة إلى تأشيرة للانتقال، وفي المطارات التي نصل إليها منافذ لأبناء الاتحاد الأوروبي، ومنافذ للقادمين من أقطار أخرى، يكفي الأجنبي ـ مثلي ـ الحصول على تأشيرة من فرنسا على سبيل المثال لتفتح له حدود سبع عشرة دولة، ويكفي ختم جواز السفر مرة واحدة، وهنا أستعيد واقعة طريفة مرت بي في أول مرة أنتقل خلال القارة من دولة إلى أخرى. كنت في ألمانيا بداية عام سبعة وتسعين بدعوة من معهد جوته، وكان علي أن أسافر إلى مدينة ميلانو الإيطالية للمشاركة في برنامج تلفزيوني عن ابن رشد، وعندما اتصل بي الأستاذ سيرجيو نيوزاده أستاذ كرسي العلوم الإسلامية بجامعة ميلانو والمشرف على إعداد البرنامج أخبرته بوجودي في ألمانيا خلال ذلك التوقيت، فقال إنه ما من مشكلة، سيرسلون إلي بطاقات الطائرة كما أريد، طلبت أن يكون سفري من ميونيخ، وعدت الى هامبورج في أقصى الشمال حيث نظم معهد جوته لقاءين في مركز ثقافي وفي الجامعة، وهكذا مضيت إلى مطار ميونيخ قاصدا السفر إلى ميلانو الإيطالية، لاحظت بدهشة أن إجراءات السفر اقتصرت فقط على وزن الحقيبة وخطوات الأمن المعتادة، لم يطلب أحد مني جواز السفر، لم يكن هناك مكتب جوازات أصلا، قلت لنفسي: لا بأس. ربما هذا هو المتبع عند الخروج من المانيا، لكنني عند وصولي إلى ميلانو ونزولي مطارها، فوجئت أنني أمضي بعد تسلمي الحقيبة إلى خارج المطار مباشرة، وعندما اقتربت من الباب الرئيسي وجدت شابا يرفع لافتة كتب عليها اسمي، كان موفدا من المحطة التلفزيونية لاستقبالي ومصاحبتي إلى الفندق الذي سأقيم به، قبل ركوب السيارة قلت لمرافقي: ـ ثمة خطأ وقع فيما يبدو.. تطلع إلي متسائلا، قال: ـ ماذا حدث؟ قلت إن جواز سفري لم يختم، وربما يكون قد وقع سهو ما، هل يمكنني العودة لكي أمهر بالختم الذي يدل على دخولي إيطاليا، قال مبتسما، متسائلا: ـ ألم تأت من ميوينخ؟ ـ نعم.. إذن .. أنت لست في حاجة إلى ختم الجواز!. أدركت أن الانتقال من ميونيخ الألمانية، إلى ميلانو الإيطالية، مثل الانتقال بالطائرة من القاهرة إلى الأقصر، أي رحلة داخلية، هكذا الانتقال بين جميع دول الاتحاد الأوروبي، انه انتقال داخلي، رغم تأكيدات المرافق أذكر حذري وتوجسي عند مغادرة المطار هكذا، بدون الحصول على الختم، والختم له شأن عظيم عندنا، ليس بالنسبة للجواز فقط، إنما في أمور عديدة، إن توقيع المسئول في بلادنا لا قيمة له ما لم يقرن بالختم، فكيف أسافر من بلد إلى بلد هكذا بدون ختم. تحقق ذلك فعلا في أوروبا، ليس حرية الانتقال فقط، إنما وحدة العملة، لذلك تفاءلت بالمستقبل عندما قرأت أن قادة الدول الخليجية الذين اجتمعوا في مسقط الأسبوع الماضي، قرروا توحيد العملة فيما بين أقطارهم، خطوة رائعة، ربما تكون بداية لعملة عربية واحدة ما أسهل الأمر نظريا، فالوطن العربي موحد ثقافيا بالفعل، لكنه مقسم اقتصاديا وسياسيا، من يدري ربما تتحقق لنا عملة واحدة مثل اليورو، ولأنه لدينا الوحدة الثقافية بالفعل التي لا توجد في أوروبا فربما يمكن تحقق الوحدة السياسية على المدى البعيد، وفي رأيي أن خطوات عملية تدخل حياة الناس اليومية أهم من كافة الشعارات والأغاني التي طالما شدت بالوحدة التي لا يغلبها غلاب إنني أتطلع بعين إلى ما يجري في أوروبا، وبعين أخرى إلى مستقبلنا، وأردد: عقبى لنا.