لست أدري اذا كان الزملاء العاملون في اذاعة (تعز) باليمن الشقيق يعرفون أن يوم التاسع من يناير في كل عام هو عيد ميلاد اذاعتهم التي يصبح عمرها هذا العام 37 سنة بالتمام والكمال. وتلك نقطة يعتز بها الفقير الى الله كاتب السطور في سجله الشخصي المتواضع وهو سجل يعلم الله أنه يجمع بين انتماء العروبة ونضال المهنة على السواء. وأصل الحكاية باختصار أن شاءت المقادير ان نتواجد على أرض اليمن في عاصمته صنعاء مقتبل عام 1965، كم بعدت شقة الزمن وكم كرت مسبحة الأيام حتى ليكاد ينتمي هذا التاريخ وقد أصبح بعيدا بعيدا.. الى أيام سحيقة في العصور الوسطى مثلا! والمهم ان جاءتنا الأوامر من القاهرة وصنعاء بأن تكلفنا ببدء الارسال من اذاعة جديدة في العاصمة اليمنية الثانية تعز وبالتحديد يوم 9 يناير عام 1965. أوامر القاهرة جاءت على شكل برقية تكليف من الزعيم عبدالناصر وتعليمات ـ تكليفات ـ صنعاء جاءت على شكل زيارة قام بها وزير الاعلام اليمني وقتها وهو الشيخ قاسم غالب رحم الله الجميع. ولن أحدثك اليوم عن ملابسات انطلاقة الارسال الاذاعي لأول مرة في التاريخ من تعز العزيزة ويكفي أن أقول أن بدأ هذا الارسال لمدة ساعة واحدة فيما كانت الاذاعة اسما بغير جهاز، ومعنى بلا مبنى. كنا نسجل هذه الساعة من مقر اقامتنا المتواضع في دار الضيافة ونقطع الطريق ـ صدقني ـ عبر عشرين كيلو مترا من طريق شديد الوعورة الى منطقة الجند (بفتح الجيم والنون) على ما أذكر كي نبث محتويات شريطنا من محطة للارسال.. أما موظفو الاذاعة ـ هيئة موظفيها بعد اذنك ـ فكانت مؤلفة من فردين اثنين أولهما: مهندس الارسال واذكر ان اسمه كان حسن رستم، ترى أين هو الآن؟ والثاني كان بداهة هو الفقير كاتب السطور الذي كان يتولى مهام تاريخية شتى في اذاعة تعز يجمع فيها بين المدير والمذيع ومحرر الاخبار واحيانا الفراش دع عنك مقدم برنامج ما يطلبه المستمعون فأما اغاني البرنامج فكانت إما مستعارة من دكاكين بيع الاسطوانات في الحاضرة اليمنية السعيدة وفي مقدمتها مخزن كان اسمه (شائف وشركاه) (تأمل دقة الذاكرة!) أو كانت الاغاني (مقتبسة) أو بصراحة مسروقة من محطات الاذاعة التي كانت تبث ارسالها في اجواء المنطقة وكانت ايامها محطات قليلة ولكن قوية الارسال بين صوت العرب من القاهرة أو اذاعة الطائف في الجزيرة العربية.. أما الاسماء التي كنا نذيعها عبر برنامج (ما يطلبه المستمعون) فكانت خيرا وبركة على مدير الاذاعة ومذيعها وأمين مخازنها.. كنا نستقيها من أفواه العاملين في دار الضيافة موظفي الدفاتر ومسئولي التنظيف وكان أهمهم عمال المطبخ الذين كان يسعدهم بالطبع ان يسمعوا اسماءهم واسماء اقاربهم واصدقائهم عبر اذاعة مستجدة في اقليمهم. وأهل اليمن الكرام معروفون برد الجميل وكان هذا الرد عبارة عن اهتمام خاص بالفقير في الوجبات الدسمة التي كانت تقدم لنا في الغداء والعشاء! وكان الشيخ قاسم غالب رجلا ودودا لين الجانب ذكي الفؤاد.. رغم العقبات التي كان يواجهها المذيع الشاب الذي أوفدوه لدعم نظام الثورة في اليمن من قاهرة عبدالناصر يعيش شظفا ويعاني مشكلات لم يجربها من قبل. فقد كانت زيارات وزير الاعلام الى دار الضيافة في تعز واحيانا الى (مقر) الاذاعة الجديدة في غرفة الفقير المذكور أعلاه، دفعات من التقدير والتشجيع وأيضا من سلوى السمر الطيب الجميل بفضل ما كان الوزير اليمني المثقف يسوقه من حكايات كانت كلها حقيقية لانها كانت في معظمها ذكريات مستقاة من حياة الشيخ قاسم غالب شخصيا: درس الرجل في الازهر الشريف بالقاهرة وزامل كوكبة من خريجيه وعلمائه وعلى رأسهم الشيخ سيد سابق رحمه الله وكان فقيها بارزا وله اجتهادات صائبة شتى (صادفت في مكتبتي مؤخرا كتابا من اهداء الشيخ سيد سابق بعنوان «عناصر القوة في الاسلام» وليت الكتاب يجد ناشرا اريبا يعيد طباعته فما أحوج شبابنا الى مثل هذه الاجتهادات في أيام العسر التي نعيشها). وعندما عاد قاسم غالب الى اليمن بدأ يمارس مهمة المثقف الوطني المنتمي في تنوير الناس وتبصير مواطنيه بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات لم يعجب هذا المسلك الامام أحمد حميد الدين حاكم اليمن ايامها قال لي الشيخ قاسم غالب: - وهكذا (جلست) في السجن سبع سنين. ساعتها كتمت مزيجا من دهشة وابتسام ازاء هذه الجلسة التي طالت 84 شهرا فلم أكن أعرف أن القوم يستخدمون تعبير الجلوس بمعنى المكوث.. المهم ان قاسم غالب اختار أن يستثمر هذه السنوات السبع في تعليم فتيان صغار كانوا محتجزين في معتقلات الامام أحمد بوصفهم رهائن من ابناء القبائل.. وكان التعليم يشمل مقررات في تجويد القرآن وعلوم الحديث وأصول الدين.. وحين بلغ الأمر مسامع الامام ارسل رقعة بخط يده الى السجين المثقف يقول فيها بالحرف: - يا قاسم: لا حاجة بنا الى الدروس فامتنع. و.. كانت ليلة رمضانية من شتويات تعز الحفية الدافئة.. اجتمعنا فيها على مائدة الشيخ قاسم غالب ومعنا صديقنا المشترك الشيخ سيد سابق وبعد صلاة العشاء.. التمست من وزيري المسئول عن الاعلام ان يتحفنا بالمزيد من الذكريات عن الامام أحمد حميد الدين وكان يشوقني ان اسمعها اذ كانت في رأيي تعكس من جانب حاكم اليمن الاسبق عناصر تجمع بين حدة الذهن وكلاسيكية الثقافة التقليدية وطرافة السلوك. وبصوته الخفيض ونبراته المطمئنة قال الشيخ قاسم غالب: هي حكاية فتى يمني متوثب الروح مشوق الى ان يتعلم.. طموح الى كل جديد.. كان يغشى طوال يومه فرصة الميناء في (الحديدة) على شاطئ البحر الأحمر يحمله طموح بين جنبيه الى متن السفن الاعلام التي كانت تمخر عباب الموج ـ عمارات بحرية، كان الفتى اليمني يصفو الى الصعود فوق ظهرها كي يرى الدنيا.. و.. يتعلم. ذات يوم تسلل الى واحدة منها ولم يلمحه أحد.. كانت سفينة ألمانية تقطع أجواز البحر المحيط بين هامبورج وجنوب شرقي اسيا.. حين اكتشفوه رابضا في غرفة الالات.. حاروا في أمره هل أوسعوه ضربا؟ هل حرموه من الطعام ـ هل.. هل؟.. المهم ان القبطان الألماني قرر ان يستفيد من وجوده.. ربما الحقه بالمطبخ أو بغرفة التنظيف أو بطاقم الخدمة.. لكن على من؟.. لقد ظل اليمني الشاب يتردد على غرفة اللاسلكي يلتقط معلومة من هنا ويكتسب مهارة من هناك.. وحين مرض ضابط الاتصال وكاد الارتباك يدب في عمليات الارسال والاستقبال.. شمر (أبويمن) عن الساعد وكانت مفاجأة سارة للربان الجرماني الذي ما لبث ان تبنى الفتى اليمني والحقه باحدى مدارس البحرية التجارية في هامبورج يتعلم ويتخرج ضابطا للاسلكي وحين قرر (أبويمن) العودة الى وطنه عاد وفي جعبته آمال عظام في أن يكون شيئا مذكورا.. كيف لا وفي حقيبته الجديدة الانيقة شهادة بأنه ضابط اتصالات على سن ورمح وكما يقولون على أبواب المدينة ارسل برقية الى جلالة الامام يزف اليه انباء وصوله (الميمون) وحصوله على الشهادة الممتازة ويطلب من مراحمه ان يعينه في (وظيفة مرموقة تليق بي وبخبرتي وشهادتي) وحين قرأ الامام البرقية ادرك انه امام طموح ينبغي ان يوقف عند حده ورأس لابد من خفضه قبل أن يرتفع زيادة عن اللزوم.. هكذا اصدر قراراً يقضي فيه بتعيين فلان بن فلان في وظيفة مرموقة تليق بخبرته وشهادته وهي: سائس للخيول في الحظائر الامامية! لا يخفى عليك ـ يضيف الشيخ قاسم غالب ـ كيف اسقط في يد الشاب اليمني الطموح وكم مناشدات رفعها الى قصر الامام من مكمنه في حظيرة الخيول من اجل اصلاح الوضع وجبر الخواطر: سنوات عدة انقضت دون أن تنصلح الاوضاع أو (تجبر الخواطر) وحين ضاق به الحال أرسل برقية مباشرة الى الامام قال فيها طرشت لكم رسائل وبرقيات أناشدكم اصلاح وضعي واجابة شكواي ولم تردوا.. فلعل المانع خير بعدها ظل صاحبنا ابن (الحديدة) يرتقب الجواب.. وذات يوم جاء الجواب الشافي بخط الامام أحمد يقول فيه: ـ أبلغوا فلانا بن فلان أن المانع خير!