سعت الولايات المتحدة الامريكية جاهدة بعد انتهاء فترة الحرب الباردة للتكيف مع المرحلة الدولية الجديدة التي اعقبت تفكك الاتحاد السوفييتي، وتطلب منها ذلك تبني سياسات واستراتيجيات جديدة تتلاءم وهذه المرحلة وذلك من اجل استمرار تفردها الدولي وبقائها كقوة عظمى تدير العلاقات الدولية. وبالعودة الى تاريخ الولايات المتحدة الامريكية سوف نجد انها كانت تعرف كيف تخرج منتصرة من الحروب التي تشارك فيها او تقودها وكانت تعلن للعالم كل مرة عند انتهاء الحرب عن بداية مرحلة دولية جديدة، ففي حرب افغانستان الاخيرة اعلنت الولايات المتحدة الامريكية عن ان النظام الدولي الذي يجري الترتيب له لا مكان فيه لتنظيمات اسمتها تنظيمات ارهابية، لانها تهدد برأيها السلم الدولي، وكانت تقصد من ذلك التنظيمات التي تهدد مصالحها ومصالح حلفائها الرئيسيين اي اسرائيل والمجموعة الاوروبية، وكانت اعلنت قبل ذلك «بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية» عن نظام دولي جديد، والحال نفسها حصلت بعد حرب الخليج الثانية، وبعد انتهاء حرب الخليج الثانية كان على الولايات المتحدة الامريكية ايجاد خطر دولي جديد لكي تقنع العالم، خاصة الدول الاوروبية التي بدأت تشعر برغبتها في التحرر من القبضة الامريكية، بأنها جديرة فعلا بالقيادة الدولية وانها تخوض حرباً ضد خطر جديد لا يهدد مصالحها لوحدها فقط بل يهدد مصالح العالم كله، فوجدت فيما اسمته بالجماعات الارهابية خير بديل عن الخطر الشيوعي، وهاهي تحاول اليوم اقناع العالم بأن خطراً جديداً اصبح يهدد الامن الدولي يتمثل في الجماعات الارهابية، وطالبت المجتمع الدولي ببناء حلف دولي يواجه الزحف الجديد الذي خلف الزحف الشيوعي برأيها واستطاعت الى حد بعيد بعد حوادث 11 سبتمبر الاخيرة من اقناع العديد من دول العالم «خاصة دول الاتحاد الاوروبي» بالوقوف معها لمواجهة الخطر الجديد، وبدأ الاعتقاد يتسلل الى العقول بأن ما حدث للولايات المتحدة الامريكية يمكن ان يحدث في اي عاصمة اوروبية.ولكن الاشكالية هي ان الولايات المتحدة الامريكية لم تعلن حربها على المنظمات الارهابية التي تهدد فعليا الامن والاستقرار الدولي، بل انها حصرت ظاهرة الارهاب في منطقة معينة وهي المنطقة العربية والاسلامية، بينما تجاهلت ما تقوم به اسرائيل من أعمال ارهابية ضد شعب اغتصبت أراضيه وتقتل افراده من الاطفال والشيوخ والنساء وعلى مرأى من الولايات المتحدة الامريكية.فالارهاب ليس ظاهرة جديدة على العالم، بل هو ظاهرة عانت ولاتزال تعاني منها الدول العربية كذلك منذ سنوات طويلة ولم تحرك لا الولايات المتحدة الامريكية ولا المجموعة الدولية ساكنا لمواجهتها، بل كان للولايات المتحدة الامريكية دور في ما حصل ولايزال يحصل للعرب، والأحداث والوقائع التاريخية تشهد على ما قدمته الولايات المتحدة الامريكية من دعم مادي ومعنوي للارهاب الاسرائيلي الذي اغتصب الأراضي العربية وقتل الابرياء وقام بمجازر ارهابية لاتزال عالقة في الذاكرة الانسانية.اليوم تريد الولايات المتحدة الامريكية ومعها المجموعة الاوروبية ايهام دول العالم بأن الخطر الجديد محصور في دائرة معينة وهي الدائرة العربية والاسلامية مثلما كان الحال مع الخطر الشيوعي في السابق محصورا في الدائرة السوفييتية والدول الاوروبية الاشتراكية، فأصبح الرأي العام الغربي يترقب بحذر الشعوب العربية والإسلامية وأصبح في اعتقاده ان كل ما يصدر من الدول العربية يمكن ان يكون عملا ارهابيا، وأصبح مجرد التعرف الى العربي في المطارات أو في أي شارع أوروبي مثار الاتهامات والشتائم. هذه الحقائق تكررت كثيرا في العديد من الدول الاوروبية. لقد أصبح الاعتقاد الراسخ لدى كل أوروبي انه اذا صادف أي عربي يتوجب عليه ان يأخذ الحذر منه وأن يتعقبه، لأنه يمكن لهذا العربي ان يقوم بأي تصرف (ارهابي) كأن يفجر قنبلة أو يفجر نفسه. لقد أصبح العربي شخصا غير مرغوب فيه، ويكون الوضع أسوأ من ذلك عندما نعرف ان هذا العربي من ديانة اسلامية لأن الاسلام بالنسبة للعالم الغربي يشجع على العمل الارهابي! فمثل هذه الصورة هي التي تمكن الإعلام الغربي من غرسها في أذهان الرأي العام وأصبح في اعتقاده ان الخطر الجديد الذي يهدده هو ما يسميه الإعلام الغربي (الارهاب العربي والإسلامي). الملاحظ ان الرسميين الامريكيين والاوروبيين يحاولون اخفاء الحقيقة وانكار ما يروجون له من مفاهيم خاطئة وخطيرة، لأنها سوف تساهم في اذكاء الكراهية بين الديانات السماوية وهم يقولون انهم لا يحملون أي عداء أو كراهية للعرب والمسلمين ولا للدين الاسلامي، ألم يقل الرئيس الامريكي جورج بوش غداة حوادث 11 سبتمبر انه يقود حربا صليبية، ثم تراجع عن تصريحاته بعد ان نبهه مستشاروه الى انه ارتكب خطأ استراتيجيا فادحا ليس في مصلحة الولايات المتحدة الامريكية لأنها سوف تخسر العالم العربي والاسلامي! يقال ان الملايين من الاوروبيين والامريكان سارعوا الى دراسة الدين الاسلامي لأنهم فوجئوا بأن الإعلام يتكلم مرارا عن الجماعات الاسلامية والكليات الاسلامية والمعاهد التي تدرس القرآن والدين الاسلامي، فأرادوا معرفة الحقيقة لأن ما يروج له الإعلام الغربي الذي يسيطر عليه الصقور اليهود الذين يحملون حقدا دفينا للاسلام والمسيحية على حد سواء،م فأرادوا دراسة القرآن والتمعن فيه هل هو كتاب يدعو الى التراحم والتآلف والتسامح أو يدعو الى قتل المدنيين والى التخريب؟ وهل الاسلام يبرر سفك الدماء؟ إن هذه المفاهيم الجديدة يعمل الإعلام الغربي ليل نهار من أجل ان يغرسها في عقول الرأي العام الدولي وعلى وجه الخصوص الإعلام الغربي، لأن الولايات المتحدة الامريكية تريد إيهام العالم بأن خطرا جديدا يهدد الأمن الدولي يتوجب محاربته وان على العالم مساعدتها في مهمتها الجديدة مثلما وقف معها بالأمس في محاربة الشيوعية التي شكلت خطرا على العالم قرابة خمسين سنة، وهاهو خطر الجماعات الارهابية العربية والاسلامية يهدد الأمن الدولي ويتعين على العالم الاستعداد له بمواجهته تحت اشراف وقيادة الولايات المتحدة الامريكية. العديد من الكتّاب الامريكان والأوروبيين قالوا في كتاباتهم ان ما أعلنته الولايات المتحدة الامريكية من انها تقود حربا ضد ما أسمته «الارهاب الدولي» لا يعني حربا على الإسلام، ولكن تبريراتهم لا تستند الى أي أساس واقعي لأن ما يحدث في الواقع يشير الى ان العالم الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة من خلال الصاق ظاهرة الارهاب بالعرب والمسلمين، معناه انها تدفع نحو اذكاء روح الكراهية بين المسيحيين والمسلمين، كما انها سوف تدفع بالعرب مستقبلا الى استعمال كل الوسائل الممكنة للدفاع عن دينهم وحقوقهم لأنه لا يعقل ان يبقى العرب يتفرجون وهم يهانون كل يوم في الإعلام الغربي وفي الشوارع ويتهمون بالقتل والتخريب، بينما يلاحظون كل يوم اسرائيل تقتل وتشرد اخوانهم الفلسطينيين، وعندما ترد عليهم التنظيمات الفلسطينية يروج الإعلام الغربي وينشر على صفحاته الأولى صورا للقتلى الاسرائيليين، وكأن هؤلاء ابرياء لا حول لهم ولا قوة! وفي المقابل لا نجد ولا اشارة بسيطة للمجازر التي ترتكبها القوات الاسرائيلية لأن ما يقومون به يعتبره الإعلام الغربي مشروعا لأنه يدخل في نطاق محاربة ما يسمى بالارهاب الدولي. هذه هي الصورة التي تعمل الولايات المتحدة الامريكية على ترسيخها في العقل الأوروبي وجعلها مسلمة لدى الأجيال المقبلة تجعلها في موقع من دخل في حرب طويلة المدى مع العالم العربي والإسلامي، ولكن بالوسائل الاعلامية والدبلوماسية. والخوف كل الخوف ان يأتي يوم تطالب فيه الولايات المتحدة الامريكية الدول العربية والإسلامية بايقاف تدريس الدين الاسلامي وتغيير مناهج التدريس بجعلها تقترب من المناهج الغربية، لكي ينشأ جيل عربي يكون برأيها، جيلا مسالما لا يعرف تاريخه ولا يحمل أي رغبة لمقاومة الاحتلال الاسرائيلي. بمعنى أدق فإن الولايات المتحدة الامريكية تعمل على تعميم المشروع الغربي الليبرالي على المجوعة الدولية وعلى وجه التحديد الدول العربية لكي تكون تابعة لها فكريا وسياسيا واقتصاديا، وعندها لن تجد أي معارضة من أحد لسياستها الدولية الجديدة. ولكن هل يقبل العرب والمسلمون ان يتخلوا عن قيمهم وعاداتهم لصالح قيم وعادات دخيلة عليهم؟!! ـ كاتب جزائري