لن نحتاج ان ننتظر طويلا لنستبين عمليا مدى صدقية دعوى ادارة بوش بأن حملتها الضارية التي بدأت في افغانستان هي حرب ضد الارهاب وليس ضد الاسلام. فالحكومة الافغانية التي ساعدت الولايات المتحدة في اقامتها خلفا لنظام طالبان سوف تأخذ بالشريعة الاسلامية كأساس للحكم وبناء مؤسسات السلطة، هنا سيأتي الاختبار العملي الاكبر: هل تقبل الولايات المتحدة ام ترفض؟ منذ عهد الجهاد الافغاني ضد نظام الحكم الماركسي الذي انتزع السلطة انقلابيا عند اواخر سبعينيات القرن الماضي والوجود العسكري السوفييتي الذي كان يسنده وحتى اليوم، تلتقي الطروحات الاساسية المبدئية للاحزاب والجماعات الافغانية قاطبة، رغم خلافاتها العرقية الحادة، عند خيار ما يطلق عليه الاسلام السياسي.. تستوي في ذلك رؤى قلب الدين حكمتيار وبرهان الدين رباني مع رؤى الملا محمد عمر زعيم طالبان. لقد بدأ الكفاح الافغاني ضد الوجود الماركسي السوفييتي كصيحة جهادية اسلامية لا يقل فيها دور الفقهاء ومكانتهم عن دور ومكانة القادة السياسيين والعسكريين ورغم تشدد نظام طالبان ومغالاته في تطبيق احكام الشريعة الاسلامية، إلا انه لم يكن نظاما شاذا او استثنائيا من حيث هويته الدينية. واذا كان من حق الولايات المتحدة ان تهنيء نفسها بانتصارها العسكري على حركة طالبان واقصائها في معترك الصراع السياسي، فإنها لا تملك سببا للابتهاج سياسيا. فهي ليست في موقف يمكنها من السيطرة الكاملة على المسار السياسي لافغانستان لمرحلة ما بعد طالبان. ان من غير المتصور اطلاقاً في كل الاحوال ان ترحب الولايات المتحدة بنظام حكم جديد ذي طبيعة اسلامية في افغانستان، وبالتالي فإن صداما حتميا سوف يقع بين الادارة الامريكية والقيادات السياسية الافغانية التي تحالفت معها في الاطاحة بنظام طالبان. وفي هذا السياق من المفيد ان نتوقف عند تصريحات لاثنين من اركان الحكومة الائتلافية الراهنة في كابول قال كل منهما ان نظام العدالة في افغانستان سوف يقوم بصورة رئيسية على الشريعة الاسلامية وليس على النظام الغربي. بصراحة تامة قال وزير العدل عبدالرحيم كريمي في مقابلة صحفية: «في هذا البلد.. الاسلام هو مصدر كل القوانين». وفي مقابلة اخرى كرر فازي عبدالوهاب رئيس المحكمة العليا نفس الاعلان، رغم انه استدرك قائلا ان الحكومة سوف تتفادى في التطبيق الاسلامي التجاوزات التي كان يمارسها نظام طالبان. والامثلة التي ضربها رئيس المحكمة العليا لشرح هذه التجاوزات لا تجعل منها اكثر من اخطاء اجرائية، فقد قال ان نظام طالبان كان يقطع ايدي المتهمين بالسرقة «دون ادلة كافية»، وان عمليات تنفيذ احكام الاعدام كانت تقام في اماكن عامة كالشارع او السوق، فالصحيح على حد قوله ان تقام في «اماكن سرية حيث لا يمكن للمارة ان يروا ذلك». بكلمات اخرى فإن رئيس المحكمة العليا اذ يعارض وسائل التطبيق السابقة فإنه لا يعارض قوانين الحدود كما تنص عليها الشريعة الاسلامية. واذا اخذنا في الاعتبار ان الرجلين وزير العدل ورئيس المحكمة العليا، جرى اختيارهما لكلا المنصبين على اساس ان كلا منهما فقيه مشهود له في الشرع الاسلامي، فإننا نستطيع ان نتصور مستقبل العلاقة السياسية بين الحكومة الافغانية والادارة الامريكية، اغلب الظن انها سوف تكون علاقة تصادمية بين ذهنية ترى في الاسلام ومبادئه واحكامه اسلوب حياة وحكم، وذهنية اخرى ترى ان الاسلام والارهاب صنوان.