قضينا سنوات ونحن نطالب بأن تكون اجتماعات القمة العربية دورية، وعندما بدا أن تحقيق هذا الأمر أصبح قريبا في مطلع التسعينيات حدثت الكارثة بغزو العراق للكويت وما أعقبها من تطورت مازالت الأمة العربية تدفع ثمنها حتى الآن، وكانت النتيجة أن أصبح انعقاد القمة في حد ذاته مطلبا عسيرا بعد انقسام العالم العربي من ناحية، ومع الضغوط الأمريكية لمنع انعقاد القمة حتى لا تسمح بتطور جهود المصالحة العربية أو تضع قيودا على التحركات الأمريكية لفرض السلام الاسرائيلي ـ الأمريكي على المنطقة. ثم جاءت انتفاضة الأقصى لتفرض مناخا جديدا في المنطقة، ورغم استمرار الضغوط الأمريكية فان ضغط الشارع العربي كان أقوى، والتأمت القمة العربية بعد طول غياب، ومع أن ما قدمته لم يصل لمستوى طموحات الرأي العام العربي في موقف صلب يدعم الانتفاضة ويقطع العلاقات مع اسرائيل ويعيد الحياة للمقاطعة العربية للكيان الصهيوني ويعلن للعالم ـ وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية ـ أن مصالحه في المنطقة مرتبطة بتحقيق سلام عادل يستند إلى قرارات الشرعية الدولية ويعيد الحقوق لأصحابها، الا أن مجرد اجتماع القمة كان انجازا، وما قدمته من دعم مالي للانتفاضة كان ضروريا، وعودتها للانعقاد بعد شهور كان أمرا مبشرا بأن عجلة العمل العربي المشترك ستدور، وأن التحديات ستفرض على الجميع أن يرتفعوا على الخلافات ويضمدوا الجراح ويذكروا ـ قبل أي شيء ـ أن الأمة في خطر وترافقت هذه الآمال مع تطورين هامين أولهما القرار بدورية القمة العربية وانتظامها،، وثانيهما تعيين عمرو موسى أمينا للجامعة ليبدأ عملية تطوير واسعة لتحويل الجامعة إلى منظمة اقليمية فعالة واخراجها من حالة الجمود التي سيطرت عليها وعلى العمل العربي المشترك لسنوات. متغيرات دولية وفجأة تجئ عاصفة سبتمبر وما تلاها من تطورات هزت العالم، ويجد العالم العربي نفسه وسط دوامة من المتغيرات ليس مستعدا لها، وتتصاعد دعوة لعقد قمة طارئة لمواجهة الموقف ولكن الكل يتهرب منها، ويقترب موعد القمة العادية التي كانت الدول العربية قد قررت عقدها في لبنان تكريما لانتصاره ونجاحه في تحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي ودعما لصموده في وجه التهديدات الصهيونية، ووسط كل الظروف الخطيرة التي يمر بها العرب، ومع تصاعد العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني، والتهديدات الأمريكية بضرب أكثر من بلد عربي في إطار ما تسميه الولايات المتحدة (الحرب ضد الارهاب).. وسط هذا كله تكون المفاجأة أن ترتفع دعوات بتأجيل القمة العربية بدلا من الاسراع بعقدها! وقد برزت فكرة التأجيل عند زيارة أمين الجامعة العربية إلى بيروت للاعداد للقمة المقرر عقدها في مارس، وذلك حين ارتبطت الدعوة بنبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني الذي رأى أن عقد القمة في موعدها لن يقدم أو يؤخر بل قد يكون مناسبة لتمرير مواقف تضر بالعرب وقضاياهم القومية، وقال ان التأجيل لعدة أشهر قد يكون أوفق. وعندما يصدر هذا الاقتراح من أحد الرؤساء الثلاثة في لبنان الحريص بلا شك على عقد القمة على أرضه، فان ذلك يعد بلا شك مؤشرا على أن الفكرة جادة، وأن وراءها ما وراءها رغم التأكيدات التي صدرت عن حكومة لبنان والجامعة العربية على عقد القمة في موعدها وفي مكانها! نبيه بري من جانبه حرص على أن يؤكد أن دمشق بعيدة عما اقترحه، وبرر اقتراحه بأن دواعي الأمن القومي تقتضيه، وقال انه كان قبل شهرين فقط من المطالبين بتقديم موعد القمة ليحاول العرب استثمار الموقف العالمي وحاجة الولايات المتحدة لتغطية عربية واسلامية قبل الحرب في أفغانستان.. ولكن الفرصة ضاعت وتحول الموقف لغير صالح العرب وأصبحت حرب اسرائيل الارهابية ضد الفلسطينيين جزءا من الحرب الأمريكية على الارهاب. ويقول بري انه يخشى أن يكون المطلوب من القمة العربية القادمة تكريس الأمر الواقع الاسرائيلي، والانتقال من موقف الانتفاضة إلى تحريم المقاومة، وأن يجري ذلك على أرض لبنان الذي سجل انتصار المقاومة على الاحتلال الاسرائيلي للجنوب. وينتهي بري إلى أن الاستثمار السريع للواقع العربي السيئ هو مطلب اسرائيلي فلماذا يستجيب العرب؟! ولكن الزمن ليس في مصلحة هذه الهستيريا التي نجحت اسرائيل في توظيفها لانهاء سريع للصراع العربي ـ الاسرائيلي وفقا لموازين قوى ظالمة في حق العرب. وبالتالي فان شهورا معدودة كفيلة ببلورة وقائع أفضل في النظرة العالمية لواقع المنطقة. فلماذا لا ننتظر؟ ورغم الخلافات المعلنة بين بري وبين الرئيسين لحود والحريري فلا أحد يمكنه اتهامه بأنه لا يريد مصلحة لبنان ولا يفكر في المصلحة العربية، ومن هنا فان دعوته لتأجيل القمة والتي حرص على أن تكون وجهة نظر شخصية ينبغي الوقوف عندها باهتمام، والتعامل معها بجدية.. ليس بغرض تأجيل القمة وانما بهدف نجاحها اذا انعقدت. دعوة بري تقول ان الموقف العربي سيئ للغاية، وليس هذا جديدا، ولكن الجديد هو أن هذا يحدث في ظل متغيرات دولية واقليمية هائلة أثبت النظام العربي قدرة فائقة في العجز عن التعامل معها، والجديد أن هذا الموقف السيئ يراد استغلاله لفرض أمر واقع جديد تتم فيه تصفية الصراع مع اسرائيل لصالحها ويتم فيه القضاء على ما تبقى من تضامن عربي، وتعاد فيه رسم الخريطة الجديدة للمنطقة فتخفى دول وتظهر أخري وتتعدل حدود وتسقط أنظمة.. كل ذلك مع غياب عربي مفترض فيه أن يتعمق وأن يطول. نعم.. الموقف خطير، وما يجري في فلسطين ليس عارا على حكومة شارون ولا على أمريكا فقط، ولكنه أيضا عار على النظام العربي الذي يسمح بهذا الهوان، والذي يقبل أن توضع نفس الدول العربية في قوائم الدول المهددة بأن تكون الهدف الثاني للضربة الأمريكية ولا يفعل شيئا الا الانتظار حتى لا نقول الأسوأ.. وهو أن البعض منا يشجع أمريكا على أفغنة العراق أو غيره! نعم. الموقف خطير، والعجز العربي يتضح يوما بعد يوم، وكل اجتماع عربي ينتهي بسقف أقل من المواقف، واجتماع وزراء الخارجية الذي انعقد بعد تأخير لم يكن له ما يبرره الا الخوف من مواجهة الحقيقة واتخاذ الموقف الصحيح شهد خلافات عديدة وانتهى باغفال الاشارة إلى (الانتفاضة) من قريب أو بعيد، وطالب الشعوب ـ وليس الحكومات ـ بمقاطعة اسرائيل. الهروب إلى الأمام نعم.. الموقف خطير، ولكن هل الحل هو الهروب من مواجهته، أم أن يتحمل الجميع مسئولياتهم في هذه الظروف الدقيقة؟ هل الحل هو أن نترك الخلافات بيننا تتعمق أم أن نواجهها بصراحة وعلى أعلى المستويات؟ هل الحل هو أن نترك كل طرف يتصرف كما شاء أم أن نجتمع حول كلمة سواء؟ هل الحل أن نترك الفلسطينيين في محنتهم أم نتدخل لوقف العدوان ومنع كارثة تصفية الانتفاضة ومن ثم تصفية القضية المصيرية؟ واذا كان عرفات قد أخطأ فلماذا لا نواجهه ؟ واذا كانت أمريكا قد تجاوزت كل الحدود في تحيزها لصالح اسرائيل.. فلماذا لا نعلن ذلك؟ واذا كانت الحملة على العرب قد نجحت في حصارهم وتخويفهم.. فلماذا لا نضع الحقيقة أمام العالم؟ واذا كنا نخشى من فشل عربي جديد .. فلماذا لا نضع الحكام أمام شعوبهم لترى ما سيفعلون في مواجهة الأزمة؟ الحل من الداخل نعم الموقف خطير، ولكن الهروب لن يكون حلا، وانتظار أن تنصلح الأحوال بفعل غيرنا سيطول بلا نتيجة، والاستقالة من عالم لا نعرف كيف نتعامل معه ونخوض صراعاته وتقاسم الايجابيات والسلبيات فيه لن تكون ممكنة. الحل يأتي من داخلنا. أن نقف على أرجلنا في مواجهة العاصفة،وأن ندرك أن مصيرنا بأيدينا لا بأيدي غيرنا، وأن نتحرر من الخوف الذي يكبل خطواتنا وأن نملك شجاعة أن نعترف بالخطأ ونتمسك بالحق ونسعى لبناء القوة التي نملك كل عناصرها ولكننا نبددها بأيدينا. وأظن أن الجميع قد بدأ يعي خطورة الموقف، وبدأ معها عملية مراجعة مطلوبة لمجمل السياسات التي قادتنا إلى هذه الأوضاع وفي هذا السياق فان الخطاب الأخير لولي عهد السعودية الأمير عبد الله بن عبد العزيز أمام القمة الخليجية في مسقط يستحق الاهتمام لأنه يستخدم لغة جديدة لها أهميتها عندما تصدر عن المملكة العربية السعودية في هذا الوقت بالذات. وأهم ما في هذا الخطاب هي المطالبة بمحاسبة النفس قبل محاسبة الغير.. وفي هذا الإطار يطرح ولي عهد المملكة العربية السعودية العديد من الأسئلة: ماذا فعلنا نحو تحقيق المبادئ السامية التي قامت عليها جامعة الدول العربية ؟ ماذا فعلنا لتنفيذ معاهدة الدفاع المشترك؟ ماذا فعلنا لتحقيق الوحدة الاقتصادية؟ والسؤال الأهم ـ كما يقول ـ هل ما يدور في فلسطين من قمع دموي ما كان سيحدث لو أن اسرائيل وجدت أمامها أمة عربية واسلامية متضامنة أمه موحدة الكلمة والصف والهدف تتحرك عبر مؤسسات فاعلة وقوية ومؤثرة. والإجابة كما يطرحها تقول (أحسبنا لا نتجاوز الحقيقة اذا اعترفنا جميعا ـ ولا استثني أحدا ـ بأننا أخطأنا في حق أمتنا الكبرى حين سمحنا لعلاقتنا العربية والاسلامية أن تكون قائمة على الشك وسوء الظن بدلا من المفاتحة والمصارحة، وحين نشدنا العون من الغريب ونسينا القريب، وحين فتحنا بيوتنا وأسواقنا لمنتجات الآخرين وسددناها أمام المنتجات العربية والاسلامية، وحين أجزنا لأنفسنا أن نعزو كل نكسة من نكساتنا إلى مؤامرة تجيء من وراء الحدود، وإلى استعمار لايزال يسكن العقول والأرواح. مواجهة التحديات هذه روح جديدة يمكن أن تكون نقطة انطلاق للقاء عربي يتعامل مع الأزمة بما تستحق من جدية، ولو جاء كل طرف عربي وهو مستعد للاعتراف بالخطأ لبدأت حركة التصحيح للأوضاع العربية. ولو تذكر الجميع الآن ـ رغم الضغوط الأمريكية والمصالح القطرية الضيقة ـ أن هناك معاهدة للدفاع المشترك ينبغي أن يتم تفعيلها، وأن هناك وحدة اقتصادية نملك مقوماتها ونبددها لوضعنا أنفسنا على الطريق الصحيح. واذا كانت دعوة نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني لتأجيل القمة تعبر عن مخاوف مشروعة من الفشل أو من الانصياع للضغوط الخارجية والظروف الضاغطة على النظم العربية، فان حديث ولي عهد المملكة العربية السعودية يشكل نقلة هامة في تعامل النظم مع الواقع الجديد، وهو ما يعطي الأمل في بلورة موقف عربي على مستوى التحديات المطلوبة .. موقف يعترف بالخطأ ويحاسب النفس، ويعرف حجم التحديات ويثق في قدرته على مواجهتها. ومن هنا فان انعقاد القمة العربية في موعدها وفي مكانها سوف يكون حدثا بالغ الأهمية اذا دخلته النظم العربية ـ وخاصة النظم الفاعلة ـ بروح المسئولية المطلوبة، واذا أدرك الجميع أن التهرب من مواجهة التحديات لن يكون طريق النجاة، بل سيضع الجميع في وجه العاصفة وسيجعل الجميع يدفعون الثمن، فالهجمة الآن لم تعد قاصرة على هذه الدولة أو تلك، بل العرب جميعا يوضعون تحت التصفية. القمة العربية على أرض لبنان سوف تضع الجميع أمام مسئولياتهم. واذا سادت هذه الروح الجديدة فلن تشهد القمة اقرارا بتصفية المقاومة العربية كما يخشى البعض بل لابد أن تبلور موقفا عربيا متشددا في مواجهة الهجمة الصهيونية والضغوط الأمريكية، يؤكد الحق المشروع في مقاومة الاحتلال ويؤكد الدعم الكامل لها وينذر بأنه لا أمن ولا استقرار الا بعودة الحقوق المشروعة وتحرير الأرض واستعادة القدس والجولان. والقمة العربية على أرض لبنان ـ اذا سادت هذه الروح الجديدة ـ لن تستطيع أن تغمض عينها عن التهديدات الأمريكية بضرب العراق أو غيره من الدول العربية، واذا كانت دولة مثل السعودية تتحدث الآن عن خطأ التماس العون من الغريب وتثير قضية معاهدة الدفاع العربي المشترك فان على الذين يبشرون بـ (أفغنة العراق) أن يراجعوا موقفهم! والقمة العربية على أرض لبنان ـ اذا سادت هذه الروح ـ قادرة على تحقيق اختراق في التعاون الاقتصادي العربي بعد أن ارتفعت صيحات التحذير من المخاطر على الأموال العربية في الخارج، والمخاطر الأسوأ من التأخير في تحقيق الوحدة الاقتصادية العربية في زمن ستتلاشى فيه الكيانات الصغيرة وتفقد القدرة على البقاء. والقمة العربية على أرض لبنان ـ اذا سادت هذه الروح ـ سوف تتحمل الخلافات في الرأي وهي كثيرة ولكنها ستدرك أنها لن تعيش إلى الأبد تستجدي سلاما لا يتحقق، وتطلب أمنا يحققه الآخرون، وتتحدث عن وحدة تدمرها بأيديها. فلتنعقد القمة في موعدها وفي مكانها، وليوضع الجميع أمام مسئولياتهم، وليدر الجميع أنهم سيواجهون في المؤتمر سؤالا واحدا لن يستطيع أحد أن يتهرب من الإجابة عنه وهو: هل مازال النظام العربي قادرا على مواجهة التحديات وصنع المستقبل.. أم أن الوقت قد فات؟ ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية