تابع المشاهدون هذا العام خلال شهر رمضان المبارك عملين تلفزيونيين عن صلاح الدين الايوبي اختلفت الرؤية الاخراجية في كل منهما عن الآخر. وإذا ما أضفنا إلى هذين العملين أعمالاً درامية سابقة شاهدناها على شاشتي السينما والتلفزيون عن هذا القائد المسلم الذي ارتبط اسمه بالحروب الصليبية وجدنا أنفسنا نضعها كلها في سلة واحدة مع عدد كبير من الأعمال التاريخية لنطرح سؤالاً مشروعاً عن الأثر الذي تركته هذه الاعمال دون الدخول في التفاصيل الفنية لانتاجها وهي تفاصيل ذات ارتباط وثيق بالميزانيات التي رصدت لها. ومع عدم التقليل من قيمتها والاهداف النبيلة التي انتجت من أجلها إلاّ أنها تظل في النهاية محصورة في نطاق المشاهدين الذين تتوجه اليهم، وهم بطبيعة الحال من الناطقين بالعربية أولاً ثم من المسلمين الذين تتوحد نظرتهم وتتفق آراؤهم تجاه بطل تاريخي مسلم كصلاح الدين وقد لا تختلف كثيراً حول مراحل تاريخية غالباً ما يتم اختيارها بعيداً عن الحساسيات والمواقف الخلافية التي اتسمت بها بعض مراحل التاريخ الاسلامي. هذه الشجون ما كان لها أن تنبعث من جديد في النفس بعد أن تسلل إليها اليأس لولا تزامن عرض هذين العملين مع مقابلة صحفية أجريت مع المخرج العربي العالمي مصطفى العقاد وهو يستعيد بكثير من الأسى العقبات التي واجهت المشروع الحلم الذي يحمله منذ سنوات عن عمل عالمي عن صلاح الدين الايوبي لايزال يبحث له عن تمويل يرقى إلى مستوى العمل الذي دفعه إلى أن يطوف البلدان العربية علّه يجد من يقتنع بأهمية انتاجه في زمن أصبح فيه الاعلام العربي متهماً بالتقصير موسوماً بالقصور عن مخاطبة المشاهد الغربي وتصحيح الصورة التي شوهتها أيدي اليهود وهي تدير عملية الانتاج في عاصمة السينما هوليوود قبل أن تأتي على البقية الباقية منها هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي وجدت المناخ مهيأً لها كي تهيل على هذه الصورة مزيداً من الركام والحجارة ولكنه ركام ملطخ هذه المرة بدماء الآلاف الذين قضوا خلال هذه الهجمات، سواء اقتنعنا بمسئولية العرب والمسلمين عنها او دافع من دافع لابعاد التهمة عنا وامتشق قلمه ولسانه فلم يجد سوى آذان صماء قد ألغت مراكز السمع فيها منذ أمد بعيد ماكينة دعاية صهيونية عرفت أصول اللعبة وطبقتها جيداً عندما كنا لاهين عابثين مكتفين بالفرجة غائبين عن ساحة العمل. في حديثه يتحفظ العقاد في قول الكثير عن الحرب التي واجهها مشروعه واعداً بأن يضمن مذكراته التي يعكف حالياً على كتابتها كل ما واجهه من عقبات وأن يذكر الأسماء والتواريخ ويكشف التفاصيل التي استمعت منه إلى بعض منها في زيارة له للامارات قبل سبع سنوات تقريباً. ويؤكد العقاد في تلك المقابلة أن الجيش الامريكي قد اشترى مئة ألف نسخة من فيلم «الرسالة» قبل الحملة الأخيرة على أفغانستان، مكرراً ما فعله خلال حرب الخليج الثانية حينما اشترى نصف مليون نسخة من «الرسالة» ونصف مليون نسخة من «عمر المختار» وذلك بغرض عرضها على أفراد القوات المسلحة التي سترسل الى المناطق الاسلامية لمشاهدتها قبل ارسالها الى تلك المناطق بغرض تكوين خلفية ثقافية وتاريخية لدى اولئك الجنود حتى لا يفاجأوا بالتعامل مع مجتمعات وشعوب لا يعرفون شيئاً عن تاريخها ولا يحملون عنها أي خلفية. وليست القوات المسلحة الامريكية هي وحدها المطالبة بمشاهدة هذين الفيلمين بل إن الموظفين الحكوميين في السفارات والقنصليات الامريكية في العالم الاسلامي مطالبون بذلك أيضاً. هكذا اكتشف العقاد ـ كما يقول في المقابلة ـ عندما كان في دمشق يزور السفارة الامريكية إذ سعى موظفون امريكيون لمقابلته، وعندما سألهم: كيف عرفتموني مخرجاً؟ قالوا إنهم شاهدوا «الرسالة» و«عمر المختار» قبل انتقالهم إلى دمشق. وهكذا يؤكد المخرج العربي الذي شق طريقه الى العالمية أن معركتنا مع الغرب والعالم معركة إعلام.. إعلام.. إعلام خارجي. لا الدبابات ولا الطائرات ولا أي أنواع الاسلحة تفيد. بل إننا لن نستخدم هذه الاسلحة مطلقاً.. ما يفيد هو الاعلام الموجه للعالم الخارجي. وكنت دائماً أقول ـ والكلام لايزال للعقاد ـ إنه بثمن طائرة واحدة تستطيع أن تغير وجهة نظر العالم فيك.. مادام جمهورك غربياً فعلى الاعلام الخارجي أن يتكلم لغتهم أولاً وأن يستعمل ممثليهم وكتابهم وفنانيهم ومفكريهم ويفكر بعقليتهم. وعلى من يقوم بهذا الدور أن يكون مطلعاً على أحوالهم وأفكارهم ويستطيع مخاطبتهم على نحو صحيح. حديث العقاد هذا يقلب المواجع لدى العاملين في حقل الاعلام المدركين أهميته، ويعيد الى الذاكرة مئات الاجتماعات والمؤتمرات التي عقدت، وآلاف الحوارات التي جرت على صفحات الجرائد والمجلات وشاشات التلفزيون وفي الاذاعات، ثم ذهبت جميعها أدراج الرياح أو حفظت في أدراج المكاتب وأحيلت الى غرف الارشيف، تلك الثلاجة التي تحفظ فيها جثث كل مقررات مؤتمراتنا واجتماعاتنا لتصبح بعد ذلك مادة لرسائل الماجستير والدكتوراه وبحوث الدارسين الذين مازال يراودهم الأمل في أن تبعث بحوثهم تلك القرارات من مرقدها، وهم في ذلك متفائلون أكثر من اللازم أو هم في حقيقة الأمر واهمون. وتتويجاً لكل هذه الاحباطات جاء قرار وزراء الاعلام العرب ـ في أعقاب أحداث سبتمبر ـ بتخصيص مليون دولار لتصحيح الصورة العربية التي تشوهت لدى الغرب ليرشّ مزيداً من الملح على الجرح النازف لا بغرض مداواته وإنما ليزيده التهابا ويجرعنا مزيداً من الألم، ويضيف إلى ملف معاناتنا غصّة جديدة فوق ما تجرعناه من غصّات ونحن نرى أعداءنا يرصدون مئات الملايين لانشاء محطات فضائية موجهة لنا بلساننا بينما نكتفي نحن بتخصيص مليون دولار لتصحيح صورة أصبحت لدى الغرب رمزاً للارهاب والتخلف والعنف وكل ما هو قبيح وهمجي ومعاد للحضارة والانسانية! فهل يكون عزاؤنا في خضم ذلك كله أننا بحاجة الى تصحيح صورتنا أمام أنفسنا قبل أن نفكر في تصحيحها أمام الآخرين؟ وهل يكون عزاؤنا في اهتمام بدا جاداً هذه المرة بتصحيح الصورة ظهرت بوادره في القمة الاخيرة لمجلس التعاون في عمان واجتماع وزراء الثقافة الاسلامي في الدوحة؟ ربما.. وربما ترتسم على شفاهنا أخيراً ابتسامة افتقدناها طويلاً في زمن لم يعد فيه مكان للابتسام بعد أن أمضّنا جور الايام واعتادت نفوسنا تبخر الاحلام.