مع وجود ذلك الكم الكبير من المناقشات في الولايات المتحدة الامريكية حول «لماذا يكرهوننا؟» ربما يبدو الأمر كما لو ان الشرق الأوسط هو المنطقة الوحيدة في العالم التي تواجه فيها الولايات المتحدة مشكلة تتعلق بـ «صورتها»، غير ان دراسة جديدة رائعة قام بها مركز بو للأبحاث في امريكا تقدم بصورة أكثر تعقيدا للموقف. فقد قامت الدراسة التي جاءت جزءا من مشروع سُمي بـ «المواقف العالمية» قام في اطاره المركز بقياس آراء قادة الرأي من 24 دولة تقع في ست مناطق مختلفة من العالم تجاه الولايات المتحدة. نتائج الدراسة جديرة بالفعل بالملاحظة، حيث انها توضح ان هناك فجوة هائلة للغاية بين الرأي الامريكي واتجاهات ومواقف باقي العالم بشأن بعض القضايا الرئيسية في السياسة الخارجية. وهناك ايضا عدد من المجالات المثيرة للاهتمام يمكن ان يرصد فيها انسجاما في الآراء ووجهات النظر. على سبيل المثال، فيما يتعلق بهجمات الحادي عشر من سبتمبر وما ترتب عليها من حرب ضد الارهاب، هناك إجماع عالمي شامل على ان «الهجمات الارهابية والحرب التي أعقبتها فتحت فصلا جديدا في التاريخ العالمي». ففي الولايات المتحدة أبدى 78% ممن جرى استطلاع رأيهم موافقته على هذا الطرح، و20% فقط لم يوافقوا عليه. وفي بقية انحاء العالم نجد ان نسبة مماثلة تبلغ حوالي 29% وافقوا و18% لم يوافقوا. وبالمثل نجد ان هناك تقابلا في الآراء بين الولايات المتحدة والرأي العالمي حول القول بأن «الهجمات الارهابية هي جزء من صراع بين الغرب وتنظيم القاعدة وليس بين الغرب والاسلام». ولكن ذلك التوافق في الآراء انتهى عند طرح السؤال التالي: هل الولايات المتحدة عند شنها لتلك الحرب أخذت بعين الاعتبار مصالح شركائها؟ أم كانت تتصرف بشكل منفرد؟ حيث أشار 70% من الامريكيين الى انهم يعتقدون ان الولايات المتحدة كانت تأخذ مصالح شركائها، وهناك 28% فقط يعتقدون ان امريكا «كانت بشكل رئيسي تعمل من أجل مصالحها». وفي بقية العالم بكامله كانت تلك النسب معكوسة، فهناك 62% يعتقدون ان الولايات المتحدة تعمل بشكل منفرد من أجل مصالحها، بينما 33% فقط يرون ان امريكا تأخذ بعين الاعتبار مصالح شركائها. وكما تبين من الجدول رقم (1) فإن النسب المئوية سابقة الذكر ضمنت المناطق الخمس كلها: وهناك هوة مماثلة تظهر عندما سئل قادة الرأي في العالم: لو اتضح ان العراق والصومال قد دعما الارهاب فهل ينبغي على الولايات المتحدة وحلفائها مهاجمة هاتين الدولتين؟ أو يكفي ان تقتصر الحرب على أفغانستان؟ في الولايات المتحدة 50% يوافقون على الهجوم، و38% لا يوافقون. وفي باقي انحاء العالم نجد ان 29% فقط يوافقون على ان تهاجم امريكا وحلفاؤها العراق والصومال، في حين ان 54% لا يوافقون على توسيع نطاق جهود الحرب حتى لو تبين ان احدى الدولتين تدعم الارهاب. يبين الجدول رقم (2) ردود فعل المناطق الخمس على هذا الطرح: إن ردود الأفعال تلك يجب ان تدفع أصحاب التوجه الى الاندفاع نحو توسيع فوري لنطاق الحرب في الولايات المتحدة والذين يعتقدون ان توسيع نطاق الحرب ضد الارهاب والى لحظة توقف، فحقيقة الأمر هي ان تلك الاحصاءات توضح ان هناك دعما محدودا للغاية في أي مكان لتوسيع نطاق الحرب. وعند سؤال هؤلاء عما اذا كان في رأيهم الناس العاديون في دولهم لهم رؤية محبذة أم غير محبذة تجاه الولايات المتحدة، كان الجواب ان 69% لهم رؤية حسنة مقابل 28% يشعرون ان الصورة غير المحبذة لدى البعض عن أمريكا لها تأثير بين الناس العاديين جاء أكبر تأييد من دول اوروبا الغربية، بينما كان هناك انقسام متعادل في الآراء في منطقة الشرق الأوسط. ولدى السؤال عن سبب كره الناس للولايات المتحدة، كان هناك أربعة أسباب، هي بالترتيب كالتالي: ـ استياء من قوة أمريكا في العالم. ـ سياسات امريكا التي أدت الى توسيع الفجوة بين الفقراء والاغنياء. ـ تنامي قوة الشركات الامريكية العابرة للجنسيات. ـ دعم وتأييد امريكا لاسرائيل. وعند السؤال عن أسباب حب البعض لأمريكا، كانت الاسباب الرئيسية كالتالي: ـ أمريكا هي أرض الفرص. ـ الريادة الأمريكية في المجالات العلمية والابتكار التقني. ـ المثل الديمقراطية الامريكية. وعلى نحو مثير للاهتمام، عندما طُرح خيار ان «أمريكا تعمل الكثير من أعمال الخير في شتى أرجاء العالم»، قال 52% من الأمريكيين انهم يعتقدون ان هذا هو السبب وراء حب البعض لأمريكا في حين ان 21% فقط من العالم ابدوا موافقتهم على هذا الأمر. آخر المجالات التي برز فيها الاختلاف الكبير في الآراء بين الأمريكيين الذين تم استطلاع رأيهم وأمثالهم من جميع أنحاء العالم لابد ان تكون عما إذا كانت أمريكا مفرطة في دعمها لاسرائيل أم لا. ويرى 35% من الأمريكيين فقط ان أمريكا كانت مفرطة في دعمها لاسرائيل، بينما 45% لا يوافقون على ذلك وبالمقابل يرى 73% من غير الأمريكيين ان الولايات المتحدة كانت مفرطة في دعمها لاسرائيل.(الجدول 3) ولكونها ذات نطاق محدود ولا تتعدى كونها دراسة ميدانية موجهة لصفوة من قادة الرأي في العالم، فإنه ينبغي دعم الدراسة التي قام بها مركز بو باستطلاع للرأي يجرى على نطاق اوسع غير انه حتى مع محدودية نطاق هذه الدراسة فإن نتائجها توحي بأن الولايات المتحدة تحتاج ان تنظر بشكل اكثر دقة وقرباً في التأثير الذي يمكن ان تحدثه افعالها في الرأي العالمي، فليست منطقة الشرق الاوسط هي وحدها التي يساورها القلق من جراء قوة وسياسة امريكا. فالولايات المتحدة محاطة بهالة من الاحترام في مختلف ارجاء العالم بسبب قيمها وانجازاتها، غير ان سياستها والنزعة الاحادية في التصرفات التي تتبناها هما مبعث القلق. وفيما يعكف القادة الامريكيون على التفكير في حرب ما بعد افغانستان، فإن الدراسة توحي بضرورة ان يتوخى الامريكيون الحكمة في تقديرهم لتأثير تلك الخطوات المستقبلية وانها ربما يكون لها تأثير على الدعم العالمي.. فالنزعة الاحادية في التصرف لها عواقب. ـ رئيس المعهد الأمريكي العربي