اعتدنا أن نغفو وننام ولا نصحو إلا مع حدوث مصيبة أو كارثة، فيأخذنا الحماس قليلاً ثم لا نلبث أن نعود إلى حالة البيات وننسى المصيبة وكأن شيئاً لم يكن.. ورغم ذلك أجدني اليوم مصرّة على التطرق لحادثة مربح بإمارة الفجيرة حين غفت الصغيرة سارة في الحافلة المدرسية ولم تستيقظ إلا بعد نزول رفيقاتها فحاولت اللحاق بهن وفي تلك اللحظة قام السائق بإغلاق الباب أوتوماتيكياً لتحشر ذراعها في الباب فأصبحت المسكينة على الأرض وذراعها معلقة محشورة وتحركت الحافلة تسحبها لولا صراخ بقية التلميذات الذي أوقف ذلك المشهد المروع وسط صدمة كادت أن تفتك بنفوس الصغيرات اللائي شهدن سفك دماء رفيقتهن. الحادثة وقعت والصغيرة رعتها العناية الالهية، وها هي تتلقى العلاج في أحد مستشفيات مدينة الشارقة، ولكن هل نتجاوز ما حدث ونكتفي بترديد إن ما حدث كان قضاء وقدراً.. الحمد لله أن التلميذة لا تزال على قيد الحياة. نعم الحمد لله مليون مرة.. ولكن ألا تتفقون معي أن هناك تقصيراً وإهمالاً أديا إلى حدوث ما حدث؟ وألا تعتقدون إن الدعوة التي جفت أقلامنا ونحن ندعو إليها وهي ضرورة وجود مشرفين ومشرفات على حافلات الصغار قد آن الأوان أن يتم الحسم فيها بأي شكل وأي ثمن؟ فأعداد الصغار الذين راحوا ضحايا لإهمال سائقي الحافلات ولقوا حتفهم تحت عجلاتها ليست قليلة، فكم من طفل خرج من بيته صباحاً ولم يعد إلى أحضان أمه ظهراً.. وكم من أسرة تقطعت أوصالها نتيجة فقدان فلذة كبدها بهذه الميتة البشعة. أما حكاية عدم توفير ميزانية للمشرفين والتحجج بالأعباء المالية التي ستتكبدها «المواصلات» أو «التربية» فاسمحوا لنا أن نقول إننا لم نعد نرغب في سماع المزيد من هذا الحديث لأنه بصراحة أصبح مملاً وروتينياً ولا يسعى قائله سوى للضحك على الاخرين والسخرية مما يتفوه به، الآن الوضع لم يعد يحتمل الصبر أكثر والصمت على ما يجري أصبح يخنق.. إذن فكل ما على الجهات المعنية صنعه هو إيجاد حلول لهذه المعضلة وتنفيذها على أرض الواقع بعيداً عن تقديم المبررات المعهودة. وكفكرة حل لماذا لا تتفق «المواصلات» مع «التربية» في اختيار بعض المعلمين والمعلمات ممن لديهم الاستعداد للقيام بمهمة الاشراف على الحافلات مقابل مكافأة شهرية لا تزيد على الـ 1000 درهم، أو ان تقوم التربية باجراء استفتاء مع الأسر ومدى استعدادها للمساهمة بدفع مبلغ لا يتجاوز الـ 500 درهم كرسوم مواصلات سنوية تخصص كمكافأة شهرية للمشرفين والمشرفات. ولا أتصور أن أي أسرة مهما كان دخلها محدوداً تمتنع عن دفع هذا المبلغ مقابل سلامة ابنها. باختصار الحل ليس مشكلة وليس صعباً بل هو في المتناول وتحقيقه سهل للغاية، وكل ما نحتاجه هو الرغبة الحقيقية في انهاء هذه الحالة والمحاولة الجادة في وقف هذا النزف الذي طال البراءة ونال من ابتسامة أحباب الله.. ترى هل لهذه الدعوة من آذان صاغية.. وضمائر تتحسس معاناة الاخرين، أم أن لا مستمع لصوت الفقير الذي كتب عليه أن يقاسي، فأبناء الكبار لا يستقلون الحافلات المدرسية، والسوء بالتالي لن يصيبهم والشر لن يطالهم.. فلا داعي لتغيير الوضع. Email: fadheela@albayan.co.ae