إلى متى يبقى مئات المعتقلين من العرب والمسلمين رهن الاعتقال في الولايات المتحدة على أساس الاشتباه فقط ودون ان توجه إلى أي منهم تهمة أو تهم محددة؟ السؤال ليس موجهاً إلى الحكومة الأمريكية بقدر ما هو موجه إلى حكومات الدول العربية والاسلامية. عدد المعتقلين «المشتبه بهم» يربو على الألف منذ وقوع انفجارات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن .. أي لما يزيد عن الشهرين ونصف الشهر، وللانصاف يجب ان نسجل ان بعض الحكومات العربية تحركت عبر القنوات الدبلوماسية للاستفسار عن أحوال رعاياها ومطالبة السلطات الأمنية والقانونية في الولايات المتحدة أولاً بالسماح لأسرهم ومحاميهم بزيارتهم واستعجال الاجراءات القانونية ثانياً. لكن السلطات الأمريكية لم تتجاوب مما يحرج رؤساء البعثات الدبلوماسية العربية المعنية مع حكوماتهم ويحرج هذه الحكومات مع ذوي المعتقلين والرأي العام. هل يعني ذلك إذن ان تلتزم الحكومات العربية السكوت؟ أم ان هناك وسائل أخرى متاحة لها؟ يقول بعض القانونيين العرب ان من المتاح للحكومات العربية ان ترفع دعوى دستورية ضد الحكومة الأمريكية لدى المحكمة العليا الفيدرالية على اعتبار ان الدستور الأمريكي يقيد فترة الاعتقال للمشتبه بهم لمختلف الجرائم بآماد معينة وفقاً لأوامر قضائية، فإما أن توجه إلى «المشتبه به» بعد ذلك اتهامات محددة فيصبح «متهما» تبت في قضيته محكمة وإما ان يطلق سراحه إذا لم يتوافر قدر كاف من الأدلة الأولية لصياغة تهمة ضده. ولكن ربما لا تضطر الحكومات العربية إلى اتباع هذا السبيل إذا كثفت أولاً من اتصالاتها الدبلوماسية مع الحكومة الأمريكية ومارست شتى الضغوط المتاحة عادة للحكومات في التعامل مع حكومات أخرى. أما إذا لم يأت الضغط الدبلوماسي المتصاعد بالنتيجة المرجوة فلا يكون حينئذ أمام الحكومات العربية سوى خيار اللجوء إلى القضاء الأمريكي، ومما يمكن ان يعزز من هذا الخيار استقطاب جماعات حقوق الانسان داخل أمريكا نفسها. لكن القصة لا تنتهي عند ذلك الحد، فهناك مشتبه بهم من صنف آخر من الرعايا العرب والمسلمين، هؤلاء هم الذين سوف يقدمون إلى محاكم عسكرية. والسؤال الذي يجب ان يطرح هنا هو: لماذا يقدمون وهم مدنيون إلى محاكم عسكرية وليس محاكم مدنية؟ والاجابة تتعلق بطبيعة اجراءات المحاكم العسكرية في الولايات المتحدة، كما يحددها القانون العسكري الامريكي فإذا كان المبدأ الأساسي للمحاكم الجنائية المدنية هو ان المتهم بريء إلى ان تثبت إدانته، فإن المبدأ في المحاكم العسكرية هو ان المتهم لا يعتبر بريئاً مقدما إلى ان يستطيع هو ان يثبت انه غير مذنب، ثم ان المحاكم العسكرية لا تسمح للمتهم بأن يختار محاميه بنفسه، وهذه المحاكم أيضاً تحرم المتهم المدان من استئناف الحكم، فأحكامها نهائية، ثم انها محاكم ذات اجراءات سريعة. من الواضح اذن ان الحكومة الأمريكية قررت تقديم بعض المشتبه بهم إلى محاكم عسكرية، لا لسبب إلا لأنها لا تملك أدلة كافية ضدهم يمكن ان تصمد قانونياً في محكمة مدنية، ويعني ذلك ان هؤلاء المشتبه بهم من العرب والمسلمين معرضون لادانة حتمية حتى لو كانوا كلهم أو بعضهم من الأبرياء الذين راحوا ضحية وشايات غير مؤسسة مثلاً. وربما تتحرج بعض الحكومات لاعتبارات سياسية من التدخل لدى السلطات الأمريكية بشأن هؤلاء المشتبه بهم، ولكن هذا لا يمنع تدخلاً من نوع آخر على الصعيد الشعبي.. اتحاد المحامين العرب مثلاً. وفي كل الاحوال ليس المطلوب من الحكومات العربية والاسلامية الحيلولة دون محاكمة من ترى سلطات العدالة الأمريكية محاكمتهم لكن المطلوب هو الضمان بأن تكون الاجراءات المتخذة بحقهم تسير وفقاً لمبادئ العدالة الكاملة والنزيهة.