هي أهم امرأة في تاريخي.. قبل رحيل العام.. بعد رحيل العام.. وعلى مدار الأيام.. والأحلام.. هي سيدتي في كل الأوقات.. عندما ترفع الرايات.. عندما تحترق الأمنيات.. لا يتوقف نهر حبها عن الجريان.. لا يتوقف قلبي في أحضانها عن الخفقان.. وعندما تصاب بأذى أتحول الى كومة قش تأكلها النيران. لا شئ في الأعياد يملأ عيني سواها.. لا ألوان البطاقات.. ولا أضواء الزينات.. ولا صخب الحانات.. تطاردني ملامحها في كل مكان.. أجدها في كل إنسان.. في شيوخ الايمان.. في صلاة الرهبان.. في ضفائر البنات وشقاوة الغلمان.. في الصور المعلقة على الجدران.. في المتاحف التي تروي تاريخ العروش والتيجان.. وعندما أشم عيدان النعناع والريحان.. هي امرأتي الأولى.. هي أمي الأولى.. هي نجاتي من الطوفان. عندما تضمني في حضنها الأخضر أشعر أنني أتعطر.. أشعر أنني في حالة عشق لا تتكرر.. في تلك اللحظة الصوفية.. النورانية.. البراقة.. لابد للأحزان أن تتبخر.. لابد لكل جياد الحياة الأصيلة أن ترقص.. تتباهى.. أن تتمخطر.. وعندما يسألني سادة العشق عن سر هذه الحالة.. لا أرد.. فهم يطلبون تعريف ما لا يعرف وشرح ما لا يشرح وتفسير ما لا يفسر.. وعندما يكتب التاريخ عنها يضع خطا تحت جملة: «إنها أنثى لا تتكرر» ويعرف كل من يعرفني أنها مهما فعلت ومهما تجاوزت ومهما انفلتت فإن جنوني بها لا يتغير. عندما يكسو ملامحها الحنان أشعر أن حكاية حب جديدة قد ولدت.. وأن زهرة حمراء قد حبلت.. وأن طفلة صغيرة قد كبرت.. وأن عيونا سوداء قد اتسعت.. وعندما يعصف بها الغضب أشعر أن كل ما في الكون ضاع.. القمر.. الشجر.. السمر.. السهر.. والمطر.. في تلك اللحظة لا يعرف فمي مذاق السكر.. وفي فراش الحب يتمدد بيننا خنجرا أحمر.. وأقفز من لغم الى لغم.. ومن قنبلة الى قنبلة.. وأهرب من مخبر الى مخبر.. ومن قيد الى قيد.. في تلك اللحظة أخاف أن نختفي من الوجود.. نتلاشى.. نتفجر.. مع أن كل ما تمنيته هو أن نتحرر.. أن نتغير. لكنها لو عادت وصفيت وابتسمت شعرت برغبة أطفال السواحل باللعب تحت المطر.. شعرت بقوة عظمى تحميني وبقدرة هائلة على مواجهة الخطر.. شعرت باسترداد عواطفي ومعاطفي وأنني تجاوزت مرحلة الحجر.. شعرت بالحرية.. والمسئولية.. والوطنية.. وكرهت الدونية.. والعبثية.. والديكتاتورية.. والفاشية.. والنازية.. والصهيونية.. والكتابة السرية.. والصحافة السيريالية.. العدمية. أحبها في كل وقت.. أكره جدا أن أتوقف عن حبها.. ولو ساعة.. ولو لحظة.. أكره أن لا تكون في حياتي.. أو في كلماتي.. أو في صلواتي.. أو في عيون بناتي.. أحبها في كل مكان.. وأنا أكتب دفاعا عن الحرية.. وأنا أشهد فيلم السهرة في محطة فضائية.. وأنا أحتسي القهوة التركية.. وأنا أقرأ ترجمات الصحف العبرية.. وأنا أتابع ما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية. هي الأنثى الخالدة بين النساء.. هي ليست مثلها مثل غيرها سواء.. حتى لو تصور ذلك السفهاء.. هي حروف صاغتها يد السماء.. هي في تصوري شموخ الكبرياء.. ليست مجرد لعبة من ألعاب الهواء.. وفي سحرها أغرق في شبر ماء.. وبعيدا عنها أشعر بالعراء.. أشعر بأنني مفقود وضائع في الفضاء. جسدها يروي شعرا.. كل يوم في حياتها يكتب عنه كتبا.. تطلع الشمس من عينيها.. تحصد القمح من تحت إبطيها.. يلعب السمك في المياه بين أصابعها.. لو لم تولد لكانت هذه الدنيا كذبا.. ولكانت كل العواطف والمشاعر والأحاسيس خشبا. منذ مليون سنة قبل التاريخ الى مليون سنة بعد التاريخ وأنا أسبح بحبها.. وبحمدها.. وفي كل عبارة أكتب: إنها الحضارة.. وفي كل الكلمات أصفها بجميلة الجميلات.. وفي دائرة المعارف الانسانية والنسائية تشهد لها كل الخصال الأبدية.. والشعرية.. وهو ما يجعل الحياة معها علاقة كاثوليكية.. وما أمتع أن تشرب معها القهوة الصباحية. في أوقات الأزمات الحادة التي مرت بنا كنت أبحث لها عن زهرة أقدمها لها في عيد الحب.. أو في عيد الثورة أو في عيد العمال.. أو في ليلة رأس السنة.. أو في ليلة النصف من شعبان.. في أي عيد.. فلا أجد في الأسواق زهورا ولا بطاقات بريد.. لا أجد أساور الذهب.. فقد استولى عليها أنصار أبي لهب.. وهم يرددون: «ملك الملوك إذا وهب.. ليس من حق أحد العجب.. أو السؤال عن السبب.. ليس من حق أحد أن يشاركهم في تجريب التيجان وملابس الحرير والكشمير وسجاجيد الكاشان.. ليس من حق أحد أن يقتبس منهم عبارة «ليس في الإمكان أبدع مما كان.. وآه يا زمان. وأوقات الأزمات طويلة.. طويلة.. فيها وجوه كئيبة.. وشفاه غليظة.. وأحذية سوداء ثقيلة.. جاء أصحابها من كل مكان وزمان ليسرقوا كحل عينيها.. ويحلبون ماء الحياة من ثدييها.. ويقطفون أوراق الورد من شفتيها.. وينقبون عن سر الخلود في عينيها.. جاءوا يغتصبون ثرواتها العقلية.. العاطفية.. التعدينية.. الجسدية.. التاريخية.. جاءوا من الشمال ومن الجنوب.. يكرهون القمح وطحن الحبوب.. جاءوا من بلاد الاغريق والرومان.. ليحرموها من سماع الكمان وملمس الستان.. جاءوا من روسيا وأمريكا ليضرموا فيها النيران.. فلا شريان تركوا ولا جدران.. لكنها رغم ذلك بقيت الأنثى التي هويت.. وانتهت. عرفتها.. وقبلتها.. واحتضنتها.. وعشت معها.. في كل بقعة على أرض هذا الوطن الممتد من الماء الى الصحراء.. من أسوان قبل أن تترك دائرة النسيان.. الى الاسكندرية أصل الحضارة الغربية.. من القاهرة العامرة الساهرة.. الى الاسماعيلية المستحية المستحمية.. من مطروح المجنونة بالسكوت.. الى بورسعيد قطعة البسكويت.. من سيناء مهد الكلمات والنبوءات.. الى الدلتا أرض الخيرات والمعجزات. في النوبة كتبت معها دساتير العشق والغرام.. في الصعيد علمتني جرأة الكلام.. في البحر الأحمر علمتني خطأ التصرف والتعامل على طريقة النعام.. على طول قناة السويس علمتني مواجهة جيوش الظلام.. على صدرها الأخضر علمتني كيف أكره الأحاسيس الرخام.. وكيف في استرخاء وأمان.. أنام؟ خارج الوطن حملتها تحت جلدي على طول.. فكان الحب بيننا بالريموت كنترول.. من أسبانيا الى سيبريا.. عرفت معها أن كل أشجار الغابات تنظم مسيرة سنوية دفاعا عن الحرية.. من استنبول الى سيول.. عرفت معها أن معجزات مريم المجدلية لا تنقذ النساء من القتل على الطريقة المنغولية.. من بريطانيا الى استراليا.. عرفت معها أن الخطوط الأفقية والرأسية لا تفرق بين القشرة الحضارية الخارجية وبين أعماق الجاهلية.. ومن ايران الى أفغانستان عرفت معها أن الديانات هي الأفكار والأنهار والأشجار والجنة والنار.. من سورية الى السعودية عرفت معها أن الخيول الأصيلة هي الخيول العربية. في سنوات متفرقة.. مؤلمة.. كثيرا ما وجدت من يخطفها.. يسرقها.. ينشلها.. يؤلمها.. يعذبها.. ربما يغتصبها.. في تلك السنوات السوداء.. يصبح كل شئ سواء.. ويصبح الامام وراء.. ويصبح عناقها أقصى جزاء.. في تلك السنوات السوداء لا ينفجر ماء تحت الرمال.. لا يكون هناك خصبا ولا نماء.. لا يكون شيئا قابلا للوصال.. لا تهب رياح الشمال.. ولا يكون عصيرا ما في ثمرة البرتقال.. ويسيطر المستحيل.. ويموت النخيل.. وينتهي العصر الجميل.. والكلام الجميل.. والحلم الجميل.. في تلك السنوات السوداء.. يسيطر عليها من يشم ومن ينم.. من يضرب ويكذب ويظلم ويسرق.. ويهرب.. من يحول الثمر الى حجر.. والقمر الى حجر.. ويقطع دابر الخير.. ويحرمنا من المطر.. ويمزق جواز السفر.. ويقتل بالدوريات العسكرية ليالي السهر.. وقبل أن يعودوا الى ثكناتهم الصارمة يعتقلون القمر.. ويفرضون اللون الأصفر.. لون الشحوب والموت على أوراق الشجر. وعندما تسترد حريتها.. تسترد أنوثتها.. ونشعر أننا - بعد أن سحقنا - نستحقها.. وأعود بين أحضانها المطهرة أجدد الإقامة.. ويبعثرني حبها من جديد مثل سحابة.. فأنسى مكان الولادة.. وأنسى أيام الدراسة.. وخانة الديانة.. أعود في سلام.. وعلى الفراش ترقد كل أنواع وألوان الحمام.. أعود للصلاة الصوفية.. مدد يا واحد.. يا أحد.. وتعتريني حالة نادرة.. بين الوجد والميلاد.. بين الإغماءة والإسراء.. أتجاوز معها المسافات.. والساعات.. والبحيرات.. واللحظات.. والجهات.. والظلمات.. والمناورات.. والنظرات.. والمفردات.. والكلمات.. والغابات.. والعبارات.. وأشعر أن سنوات الاحتلال والاغتصاب قد فاتت.. قد ماتت.. اندثرت.. انسحقت.. أشعر أن سيوف الغزاة والفاتحين واللصوص والمغتصبين لم يخلف ورائها سوى مزيدا من المؤمنين.. ويهزني قرع الطبول وذكر أسماء الرسول.. وفي تلك اللحظة النادرة أقول لها أتركيني.. أتركيني.. بكل ما في صدى من عشق ونشوة لا توقظيني.. لا تقتليني. نعود كالسمن على العسل.. بعد أن كان السؤال: ما العمل؟.. يأخذ حبها مرة أخرى شكل الكرة الأرضية.. يمشي في شراييني في دورتي الدموية.. ويسيطر على الدواوين الشعرية.. والكتب السياسية.. واللمسات الغرامية.. والايقاعات النوبية.. وعيون السكندرية.. وفساتين البنات القطنية في الشرقية.. والمنوفية.. وصلوات الزخارف الاسلامية.. وتسابيح الحروف الكوفية.. ومقاهي الشوارع في المدن العربية. أعود ألهث وراءها من سطر الى سطر.. وأخاف عليها من الاستغراق في كتب السحر.. وأشرب معها القهوة بحب الهال.. وتطعمني الحلوى المصنوعة على طريقة بلاد الشام.. وأجدها جاهزة للعشق في كل الأوقات.. في برد الشتاء الذي يخترق لحم الأشياء.. في الصيف مهما كانت الأجواء.. فوق الماء.. أو تحت الماء.. في الربيع حين تحضر القصائد على صهوة جواد.. وفي الخريف حين تأتي الأحزان والأشجان بميعاد.. في أوقات الانتصار وأوقات الانكسار.. في أوقات الدمار وأوقات الغبار.. لا فرق في مشاعر بينهما.. لا تغير في حرارة مشاعري.. ولا اختلاف في درجة الانبهار.. فالتجربة علمتني أن الانهيار في الليل مهما طال فإنه لابد من طلوع النهار.. وأن البربرية والهمجية مهما سادت وسيطرت فإن الفوز في النهاية للغة الحضارة وحروف الأبجدية. إنها الأنثى الوحيدة التي تستحق كل هذه المشاعر.. أقولها بكل لغات اليقين.. فهي التراث الذي يتشكل في وجدان البشرية منذ ألوف السنين.. هي تستحق لقب أعظم العاشقين.. وأعظم المؤمنين.. المتسامحين.. بين الحب والحب أحبها هي.. هي البداية والنهاية.. هي الفواصل والسنابل.. هي عصر الحضور في مختلف العصور.. هي حبات المسبحة ورائحة البخور.. عن حبها لا بديل.. هذا هو المستحيل. بعيدا عنها الليل ممل.. والناس في الغربة لا تفرق بين القاتل والقتيل.. بعيدا عن أجمل المنافي تحمل لنا الموت الجميل.. لا سنبلة قمح فيها ولا هديل.. لا أولياء لله ولا طريق مستقيم.. لا وجود لكلمة حنان ولا ضمير سليم.. لا ظل تطمئن اليه ولا نخيل.. كل شئ بارد والخيول لا تعرف الصهيل. عندما أحببتها ازددت ثقافة.. الحب هو الثقافة.. من أجل عينيها عشقت الكتابة.. لا عشق بدون كتابة.. كرهت أن تكون مسرحا للشائعات والنميمة.. هذه في عرفي وديني وضميري جريمة.. كرهت أن تعطي اهتمامها للصوص والسماسرة.. فهم مجرمو العصر الجبابرة.. كرهت أن تسمن وتترهل وتترك نفسها للامعقول.. وأن يختلط عليها الأمر بين الفاعل والمفعول.. بين القاتل والمقتول.. كرهت أن تترك نفسها كالنخلة العارية في مواجهة العواصف العاتية.. كرهت أن تترك من يدها قرنفلة وتلعب وتلهو بقنبلة.. كرهت أن تكون في محيط الدنيا العريض مجرد سمكة.. السمكة يسهل اصطيادها بأصغر شبكة.. لكن.. مهما كرهنا فيمن نحب فإننا لا نكف عن الحب.. هذه سنة العاشقين.. والمبدعين.. والقدسيين.. والصوفيين.. وأولياء الله الصالحين.. هل عرفتم: حبيبتي؟.. هل عرفتم من تكون؟. إنها مصر.. أم الدنيا.. وسيدة الكون الأولى. ـ كاتب مصري