هناك أشياء وأشخاص يدفعونك للضجر ومطلوب منك الا تضجر! ويدفعونك للجنون فلا تجن، ويثيرونك لدرجة الاستفزاز ولكن عليك ألا تحرك ساكناً حتى في داخلك، فماذا يعني كل ذلك؟ هل المطلوب منك ان تتبلد؟ او ان تتصرف بحسب المقاييس المتاحة؟ أو كما يقول الناصحون ان تكون دبلوماسياً وعاقلاً وتماشي الواقع؟ ونتساءل: من هو العاقل الحقيقي في هذا الزمان؟ ومن هو المجنون؟ وأشك في أن أحداً يملك الاجابة القاطعة على هذا السؤال لأن التعقل والجنون أصبحا من المعايير النسبية جداً في وقتنا الحاضر! فالعالم كله يسير متأرجحاً فاقد الوعي والتمييز، لا يدري أهو جنون ما يحدث حوله من متناقضات ومصائب، أم هي حكمة القوة وعقلانية الطغيان؟ في عهد الرئيس الامريكي السابق (بيل كلينتون) ونائبه (آل جور) اجرى معهد (الضجر العالمي) هذا هو اسم المعهد ومقره في ولاية نيوجيرسي بالولايات المتحدة الامريكية، قياساً للرأي بعد فضيحة مونيكا، فكانت النتيجة يومها ان حظي كلينتون بلقب أكثر الشخصيات المثيرة للضجر في العالم لأنه (واجه الأمة الامريكية عبر خطاب لا يتجاوز الأربع دقائق باعتراف بائس حول فضيحة لا أخلاقية مع مونيكا) بينما نال نائبه المركز الثاني لأنه (لا يرى إلا واقفاً وراء كلينتون يصفق ببلاهة)!! بعد هذا الاستفتاء ارتفعت شعبية الرئيس بشكل ملحوظ، وخاصة بعد تحقيقات الكونجرس معه وتقارير المحقق كينيث ستار!! فهل يقفز الشعب الامريكي فوق ثغراته وأزماته الاخلاقية والاجتماعية والاقتصادية بهذا الهامش المتاح له من حرية الرأي؟ الذي يكفله الدستور وكافة القوانين في المجتمع الامريكي، والذي تستغله معاهد قياس الرأي في محاولة مستمرة لتصدير قيم المجتمع الامريكي بشكل أفضل مما تحاوله ادارة الرئيس في البيت الأبيض. ومن حولنا فإننا نشهد تكرار الحكاية ذاتها، بدأ الرئيس الامريكي بوش عهده بمعدل قبول شعبي ونتائج انتخابات رئاسية هزيلة وبائسة نجح فيها بعد (طلوع الروح) كما يقولون، لكنه اليوم من أكثر الشخصيات شعبية وحظوة لدى الامريكيين، خاصة بعد اعلانه الحرب العالمية الثالثة التي بدأت بزلة لسان ثم صححت من حرب صليبية الى حرب عالمية ضد الارهاب وهنا أيضاً تصدر أمريكا مشاكلها، وتصحح السياسة اخطاءها على حساب الآخرين كما يحدث دائماً! في عالمنا لا نحتاج الى معهد عالمي للضجر كي نقيس درجة الضجر التي يشعر بها الناس تجاه شخصيات بعينها وخاصة شخصياتنا السياسية العربية، لكن المشكلة ان ذكر شخصية من هؤلاء قد تقودك الى ما لا تتمنى وبذلك فإن عليك ان تتذكر الحكمة الذهبية (لسانك حصانك) أو الحكمة الماسية (السكوت من ذهب)! بشكل عام وبعيداً عن الاسماء فإن الشخصيات السياسية في عالمنا العربي والعالمثالثي تحتل المركز الأول في قائمة الضجر، اما الاعلام العربي فإنه يحتل المركز الثاني بلا شك، ثم يأتي رجال الاقتصاد ثالثاً فهم الذين يبشروننا باقتصاديات وردية فيما اجتماعات الأوبك وصندوق النقد الدولي ولجان مكافحة غسيل الاموال تقول شيئاً آخر وتؤكد ان اللون ليس وردياً أبداً. والقائمة تطول طبعاً لكننا لن نسترسل، لكننا سنسأل ما هي الأشياء والشخصيات التي تدفع للمرح والتفاؤل والبهجة؟ سألت أشخاصاً متعددي الثقافات ومختلفي الأعمار فكانت اجاباتهم كالتالي: قضاء سهرات وأوقات مرح وضحك مع الأصدقاء، السفر الى أماكن رخيصة وجميلة بصحبة أشخاص مرحين، مشاهدة مسرحيات ضاحكة من تمثيل عادل امام، حضور أفلام مراهقين في السينما، عدم التفكير في شئون السياسة، عدم مشاهدة التلفزيون وبخاصة نشرة الأخبار على قناة الجزيرة والـ ,(CNN) عدم مشاهدة وجه شارون، اما أغرب جواب تلقيته فكان: فقدان الذاكرة والبدء من نقطة الصفر!! aishasultan@hotmail.com