حاولت عبثاً أن أستعين بالترجمة الفورية المتواجدة على شبكة الانترنت لترجمة مواد صحفية ففشلت فشلاً ذريعاً، وأدركت ـ كما قال أهل الترجمة ـ ان اللغة كائن حي تتفاعل وتتأثر بما حولها ومن حولها، تكبر وتتواصل وتضمحل وتتهاوى وتخلق شعوباً، وترمي بآخرين في دنيا النسيان.. لذا أعتذر مرتين، الأولى عندما اعتقدت أن برامج الكمبيوتر ستلغي دور المترجم نهائياً، والثانية أني استسهلت العملية ولم أقدّر للزملاء في قسم الترجمة جهدهم وصبرهم. وإذا كانت شبكة الانترنت حالياً هي التي تربط الشعوب والأمم وتنقل الثقافات والأفكار والقيّم وتدلّل على قوة الدول في مجموعها، فإن حركة الترجمة قديماً هي شبكة الانترنت حالياً، فالمترجمون قاموا بأدوار رائعة على جميع المستويات فنقلوا بحسهم وثقافتهم ما أنتجته الحضارات من علم وثقافة وفنون وآداب، ولولاهم لكان الكثيرون الآن يعيشون في ظلمات. وحتى لا أتعدى على حدود الترجمة وأهلها، وخاصة أستاذنا الجليل محمد الخولي الذي يُمتعنا بثقافته وموسوعيته، ولغته وتواصله بالثقافات والعلوم الأخرى والذي يعتبر قامة من قامات هذا الفن وواحداً من مبدعيه، أضع نقطة هنا وأبدأ من أول السطر. فقد قرأت للأستاذ حسن العلوي في صحيفة «المؤتمر» الصادرة في لندن كلمة أشار فيها إلى أنه لولا المترجمون العرب لخلت لغتنا السياسية والصحافية من الكثير مما نستخدمه الآن من مفردات ومصطلحات وجمل ظهرت في الصحافة العالمية ونقلها المترجمون مشكورين عن قواميسنا المهملة مثل الاحتواء المزدوج والكرة في ملعبنا، وضوء في آخر النفق حتى تصل إلى عالم ثالث وشرق أوسطي. وأرى أستاذنا محمد الخولي في كل مرة يذكّرنا بأهمية شخص المترجم وثقافته واطلاعه، فخطأ الترجمة قد يؤدي الى حدوث أزمات بين دول، ولعل ما حدث ويحدث في الأمم المتحدة من أخطاء الترجمة الفورية شاهد على ذلك، فقد دخلت اللغة العربية حيز اللغات الرسمية في الأمم المتحدة العام 1973 لكن استخدامها على صعيد الترجمة الفورية ظل مقتصراً على الجمعية العامة ولجانها الرئيسية، ولم يكن هناك قسم في ذاك الوقت يختص بالترجمة الفورية، وكان يستعان بمترجمين من منظمات الأمم المتحدة وخصوصاً من جنيف وفيينا، وفي العام 1980 حصلت المجموعة العربية على قرار من الجمعية العامة أنشئ بموجبه القسم الخاص بالترجمة الفورية من أجل استخدام اللغة العربية في كل هيئات الأمم المتحدة وخصوصاً في مجلس الأمن الذي يعتبر من أكثر هيئات الأمم المتحدة حساسية نظراً لقيمته السياسية والدولية. وحتى لا نبحر كثيراً في الحالة الأممية على وزن مصطلح الحالة العراقية الذي أقرته الجامعة العربية نقف عند أخطاء الترجمة السياسية ونوادرها وأزماتها، فبعد تحرير الكويت حدثت أزمة بين العراق والكونغو بسبب خطأ في الترجمة الفورية حيث كان السفير العراقي لدى الأمم المتحدة آنذاك يرد على سفير الكويت، فاستخدم السفير العراقي مفردة قزم فترجمها المترجم الفوري إلى مفردة توحي بالعنصرية بدلاً من الشتيمة، فقد استخدم المترجم كلمة Pigmy بدلاً من كلمة Dwarf إذ تعني الأولى نوعاً من البشر قصيري القامة بسبب تركيبات جينية، أما الثانية فتستخدم للشتيمة والتحقير، وكانت دولة الكونغو ترأس الجلسة المعنية في مجلس الأمن، ونتيجة لذلك الأمر احتج سفيرها وأوقف الجلسة ووجه رسالة احتجاج إلى المجلس وإلى الأمين العام للأمم المتحدة اتهم فيها السفير العراقي بالعنصرية. وأشار سفير الكونغو إلى أنه يوجد في بلاده أكثر من ثلاثة ملايين نسمة من الأقزام ذوي القامات القصيرة وهم يتمتعون بكامل الحقوق، وقد دفع هذا الخطأ السفير العراقي إلى تصحيح الأمر. ونعود إلى الأستاذ حسن العلوي الذي يشكر الله على أن المترجمين يستخدمون كلمة العراق، مقابل ما اعتاده معظم الكتّاب الأوروبيين الذين يستخدمون التسمية القديمة أي ميسوبوتاميا والتي تعني بلاد ما وراء النهرين ولو أنهم نقلوا الترجمة الحرفية لكان كل عراقي هو ميسوبوتامي ولأصبح ما بين العراق والكويت بعد التعديل اللغوي الجديد هو الحالة الميسوبوتامية وكان ممكناً أن تتطور التسمية فتصبح في صحافة المغرب العربي ميسوبوطامي وفي الصحافة الخليجية ستسقط الكلمة الأولى ويصبح العراقي بو طامي على وزن بو سامي.. «وكله عند المترجمين صابون» مع الاعتذار للمثل!