رجوع نلسون مانديلا عن مساندته للحرب الامريكية في افغانستان يستحق وقفة تأمل لأنه بالرغم من ان هذا الزعيم الكبير ليس مسلما فانه يمثل الضمير الافريقي للافارقة اجمعين .. مسلمين وغير مسلمين. لقد قام مانديلا بزيارة الى الولايات المتحدة بعد نحو شهرين من وقوع احداث 11 سبتمبر. وامام مئات الملايين من مشاهدي القنوات الفضائية في العالم، وعلى خلفية دمار مركز التجارة العالمي في نيويورك صافح هذا الزعيم الافريقي ذو المصداقية العالمية الرئيس بوش قبل ان يرتجل كلمة اضافت على الفور رصيدا كبيرا من الدعم المعنوي للحملة الامريكية ضد «الارهاب» فقد اعرب مانديلا عن «مساندة كاملة» للحرب الامريكية في افغانستان بعد ان سجل ادانة علنية ضد اسامة بن لادن واصفا اياه، في تناغم كامل مع الخط الرسمي الامريكي بانه «الارهابي» المسئول عن الهجمات ضد الولايات المتحدة في كل من نيويورك وواشنطن. الآن، وبعد عدة اسابيع من ذلك المشهد الذي دخل التاريخ دون شك، ولو مؤقتا يراجع مانديلا نفسه الى حد الادانة الذاتية، فقد قال انه يسحب مساندته لادارة بوش بعد ان تبين له ان الحق لايبرر هذه المساندة، ولكن لماذا التراجع؟ يقول مانديلا في بيان رسمي صادر عن مكتبه في جوهانسبيرج ما نصه: «اقنعتنا المناقشات التي اجريناها بعد ذلك مع افراد عائلتنا واصدقائنا والناصحين لنا بان وجهة نظرنا ربما كانت متحيزة وتنطوي على مبالغة». واضاف البيان ان من تحدث مانديلا اليهم اوضحوا له ان المساندة الكاملة للحرب في افغانستان «تعطى الانطباع بأننا لا نهتم ولا نشعر بمعاناة الشعب الافغاني وبلاده». نلسون مانديلا كان اذن فيما يبدو ضحية معلومات مغلوطة او كاذبة او مدسوسة اتضح له لاحقا عدم دقتها، وهذا ما يفسر قوله بأن ماورد في كلمته امام حطام مركز التجارة العالمي كان مبنيا على معلومات «تنطوي على مبالغة» على ان اخطر ماورد في تلك الكلمة يتعلق بأمر النزاهة القانونية، البند الاول في لائحة اخلاقيات مهنة القانون فمن حيث المنظور المهني فان نلسون مانديلا اخصائي قانوني امتهن المحاماة في مرحلة مبكرة من حياته، ومن حيث المنظور السياسي فانه كان كوطني مناضل في مقدمة من عانوا من الظلم باسم القانون في عهد حكم التمييز العنصري في جنوب افريقيا. وتأسيسا على هاتين الحقيقتين كان غريبا ان يركب مانديلا الموجة الامريكية الرسمية فيدمغ ابن لادن بانه «الارهابي» المسئول عن الهجمات في 11 سبتمبر .. بينما لم تسجل على ابن لادن حتى الآن اي ادانة قانونية رغم الادانات السياسية المشددة التي لحقت به. ولكن يأتي الآن بيان مانديلا التراجعي ليقول فيه كقانوني مهني ان دمغه زعيم تنظيم «القاعدة» بالارهاب «قبل محاكمته وادانته من الممكن النظر اليه على انه يقوض اركانا اساسية لحكم القانون». مانديلا كان اذن ضحية تضليل معلوماتي متعمد، جهة ما قدمت طبخة معلوماتية الى هذا الزعيم الافريقي ليبني على اساسها موقفا مساندا للولايات المتحدة. وبغض النظر عن هوية تلك الجهة فانها عنيت بان يتخذ تلفيقها شكلا قانونيا يمكن ان يجتذب الذهنية القانونية التي يتمتع بها نلسون مانديلا. وربما تكون هذه الجهة وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية او شخصا ما من المقربين الى مانديلا استخدمته الوكالة. وفي كل الاحوال فان رجوع زعيم افريقي بحجم مانديلا عن دعمه المعنوي للولايات المتحدة سوف تتردد اصداؤه دون شك في اوساط الافارقة .. مسلمين وغير مسلمين.