قبل ان يصبح صحفياً وشاعراً وكاتباً مسرحياً، لم يكن يحيى جابر إلا واحداً من أبناء ذلك الجيل الذي أثخنته الحرب اللبنانية العبثية بجراحها، ومع ذلك صمد حتى آخر رمق في الوطن، وحين تعبت حاله كثيراً سافر قليلاً آملاً بتوفير فرص عيش أفضل له ولأسرته. وبتوتر المبدع وقلق الانسان الملتزم بهموم مجتمعه، خاض يحيى جابر السجال مع نفسه أولاً ، ثم مع المحيط الذي يعيش فيه، وكان يتقصد أن يبدأ بكشف عيوبه ليمارس حقه بالانتقاد، وهذا إنما ينبع من احترامه لذاته وللآخر. وحين اكتوى هذا الشاعر القلق بنار الأقربين والأبعدين لم يجد إلا قلمه سلاحاً يمارس من خلاله فعل ايمانه بالحياة الحرة الكريمة، فكتب شعراً ونثراً ومسرحاً، وكانت نصوصه ذات مزاج خاص، لم تتبدّل بتغيّر الأمكنة التي عاش وعمل فيها، ولم يكن بحثه عن لقمة العيش ليهزّ شيئاً من قناعاته، لذا كان شغوفاً بالاستقالة من الأشخاص والأمكنة، إذا ما لمس شيئاً يمس حريته ونصه الابداعي. أشبّهه بالصقر.. فكلماته جارحة لكنّها مغلّفة بالنبل.. يكتب عن كل شيء بتجرّد العارف بالأمور والخفايا، لذا تطغى السوداوية على عباراته. لكن ماذا يفعل.. والكاتب مرآة مجتمعه؟ هل يمارس التضليل والمراوغة حتى يكون مرضياً عنه؟ ربّما لأن يحيى جابر لا يستطيع ذلك حاصرته الرقابة ومنعت تداول «كلمات سيئة السمعة» وهذا عنوان لكتابه وليس مضمونه أبداً، لأن هذا الكتاب ينضح بالحقيقة العارية، وينطق بما يدور في بال أي انسان حيال اشكاليات مجتمعه! الخبر طالعناه منذ يومين، ومفاده ان دائرة المطبوعات والنشر في الأردن حظرت «كلمات سيئة السمعة» للشاعر اللبناني يحيى جابر و «نجوم تحاكم» للروائي السوري حنا مينه، و«عشاق بيه» للروائي التونسي الحبيب السالمي، وردّت ذلك لـ «تجاوز الخطوط الحمر في القضايا الأخلاقية»! والسؤال هنا: إذا كانت عشرات من النسخ تتجاوز الخطوط الحمر، فماذا إذن عن آلاف أجهزة الكمبيوتر المفتوحة على جغرافيا الانترنت وما تحتويه من مواد تخطت كل المحاذير وأجهزة الرقابة، وما رأي أجهزة الرقابة في بلداننا بالكم الهائل من المطبوعات الغربية التي لا يطلع عليها رقيب، ثم ماذا أخيراً عن صحون «الساتلايت» التي غزت سطوح أبنيتنا والقنوات الفضائية التي نشاهدها في الغرف المغلقة بعيداً عن رقابة الأعين القريبة والبعيدة؟! Email: ismail_haidar@yahoo.com