يحفر الكيان الصهيوني نفقاً جديداً ليدخل إليه خارطة الصراع ويدخل أيضاً في اللعبة القادمة مجموعة من قادته ليكونوا جميعهم صراعاً من النوع الشاروني الذي يسعى كل طرف فيه لأن يصبح بطلاً على حساب أجساد الصغار من الفلسطينيين، وفي هذه الأثناء فإن المسألة لم تعد حكراً على شارون بل باتت مستشرية في الأوساط الصهيونية بجميع قطاعاتها، فالتطرف صار الواجهة المهيمنة على الكيان الصهيوني خاصة بعد فوز وزير حربهم بنيامين بن اليعازر بزعامة حزب العمل وفقط لكونه الوزير المنفذ لأوامر شارون الدموية، بمعنى آخر فإن العمل ومن يقف بالقرب من خطه السياسي بات الآن ينافس الليكود ومن يقف في اليمين بعيداً عنه أو بالقرب منه ومن تشدده وتطرفه. الملاحظ انه وبعد ان أعلن رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات وقف اطلاق النار ظن البعض ان هذا ما تسعى إليه اسرائيل، ولكن وقائع الأمور أبدت أمزجة مختلفة إذ انها فضحت التفكير الداخلي للاحتلال فأضحت اللعبة الصهونية تبرز باتجاهين قد يظهران متباعدين: الأول يمثله شيمون بيريز الذي يدعي باستمرار انه مع المفاوضات ويقدم عروضه السخية كما يراها شارون، ويحاول اقناع العالم بأنه يريد السلام لكي يلمع صورة الاحتلال، وبالمقابل يأتي شارون ليضرب ويدمر ويغتال ويحرق رغم ان السلطة والتنظيمات المسلحة كحماس والجهاد أعلنت وقفها لاطلاق النار، ولكن شارون ما زال متمسكا بثوب الضحية وهو بكامل لباسه الميداني الذي بات العالم لا يراه! ويبقى السؤال: ماذا يريد شارون وحكومته كي يعودوا إلى المفاوضات التي تطالب بها السلطة الفلسطينية وهي مفاوضات لا تنسخ ما قبلها، بل تكون تكملة لها؟ وتبقى الاجابة عن تسأول كهذا في المحددات التي تفرض الدخول في الحركة السياسية الداخلية لحكومة الاحتلال ولعبتها المزدوجة في أية مفاوضات، فبعد ان ظهرت مذكرة وزير خارجية الكيان الصهيوني شيمون بيريز إلى العلن ورفضها رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني أحمد قريع رغم اعلان بعض الجهات الاسرائيلية انه قبلها، نجد ان هذه اللعبة الساذجة ما هي إلا طريقة جديدة للضغط على السلطة الفلسطينية لوضعها في المكان الحرج، لأن الاعلان عن قبول مثل هذه المذكرة يعني بدون أدنى شك تراجع السلطة عن مواقفها التي ما زالت تتمسك بقرارات الشرعية الدولية، مما يجعل الفصائل الفلسطينية المقاومة عسكريا تفكر بالعودة الى عملياتها الامر الذي قد يحرض على الاقتتال الداخلي بعد ان استطاعت الفصائل الفلسطينية تجاوزه قبل ان يظهر ويصبح أمراً واقعاً، مع ان اسرائيل لم تفلح في اشعال فتيلته رغم كل تحركاتها باتجاه ذلك. اذا السلطة الفلسطينية سارعت لنفي أي اتفاق بتصريح كبير مفاوضيها صائب عريقات الذي قال: ان المذكرة مشروع اسرائيلي وليست اتفاقاً ، وهي تحتوي على مجموعة من العناصر التي لا يمكن قبولها فلسطينياً إذ انها أسقطت كل الاتفاقات السابقة والمرجعيات المحددة ولم تأت على ذكر الأرض مقابل السلام». وهذا ما أكده أيضاً أحمد قريع الذي وضعت اسرائيل مذكرتها مقرونة باسمه مع وزير خارجيتها. تنافس محموم والمسألة الثانية التي يمكن الوقوف عندها هي حولت سريب مذكرة بيريز وما يمكن ان يجنبه هذا التسريب، اذا علمنا ان من سربها الى صحيفة «يديعوت احرونوت» العبرية هو وزير حرب الكيان الصهيوني بنيامين بن اليعازر العمالي المتشدد والمؤيد لسياسة شارون وقبل الانتخابات المعادة لحزبه الذي ينتمي إليه وزير الخارجية وصاحب المذكرة «بيريز» حيث قالت هذه الصحيفة: «إن الفلسطينيين قد وافقوا على دولة فلسطينية من خلال 48% من أراضي 1967، مما يجعلنا نتساءل: لماذا قام هذا المسئول الكبير بتسريب الخبر رغم انه ينتمي الى حزب العمل الذي يقود نظرياً الاتصالات مع الفلسطينيين بغض النظر عن شكلها؟! لعلي أرى ان بنيامين بين اليعازر يلعب لعبة مزدوجة وبالتأكيد فإن عنصرها الأول لابد أن يكون ضد الفلسطينيين وثانيها ضد شارون وبيريز، فما طبيعتها؟! بعد أن سلم اليعازر المذكرة صار انتصاره قاب قوسين أو أدنى للفوز بزعامة حزب العمل نظراً لأعماله الاجرامية في الأراضي الفلسطينية التي أزعجت منافسه على زعامة الحزب وهو رئيس الكنيست ابراهام بورج لأنه ليس بموقع يستطيع من خلاله ان ينفذ جرائمه بشكل مباشر كما انها وللسبب ذاته ازعجت مجرم قانا بيريز اضافة الى محاولة كفه عن التفكير بالعودة الى زعامة الحزب بعد عام تقريباً وهو موعد الانتخابات التي قرر حزب العمل اجراءها وبالطبع فإن اعمال اليعازر اصبحت لا تشبع دموية مجرم صبرا وشاتيلا شارون الذي بات يخشى من ان يحرك اليعازر المتطرفين اصحاب النسبة العالية في اسرائيل فيفقد بذلك شارون اجزاء من هؤلاء الذين انتخبوه حالمين بأن يكرر تاريخه الدموي وموعودين بالأمن الشاروني. الكل في الحكمة الاسرائيلية له اسبابه الخاصة التي تصب جام حقدها على الفلسطينيين أولاً، فاليعازر وبمجرد انتخابه رئيساً لـ «العمل» هدد شارون بانسحاب حزبه من الحكومة مما يسبب ازمة فيها وقد يدعو الى انتخابات مبكرة سيكون لاليعازر النصيب الأكبر بالفوز كون الشارع الاسرائيلي المتطرف يرى جرائمه بشكل مباشر مما يذكرنا بايهود باراك الذي احضر الدب على كرمه عندما سمح لشارون بتدنيس المسجد الأقصى وتحت حمايته فكانت نهاية باراك في تلك الانتخابات المبكرة، فهل سيعيد التاريخ نفسه مرة أخرى؟ ان الظروف الحالية تقدم احتمالات كثيرة تقول «نعم» فعناصر حزب العمل تقلقها مزاجية شارون خاصة الجناح الذي يؤيد بيريز والذي يعتبره الحزب يسارياً مما دفع صحيفة «هآرتس» العبرية الى القول: «صحيح ان شارون دأب على التلويح بالجزرة الكلامية حول التنازلات المؤلمة أمام الحمار المسمى حزب العمل لكن الحقيقة هي انه ليس هناك أية خطة سياسية... ولا حدود، ولا فصل، ولا انسحاب، ولا اتفاق، ولا عملية سلمية، ولا تنازل عن ذرة من المستوطنات... فقط هناك عنف وخليط غامض من الغضب القتالي ومشاعر الضحية والملاحقة الابدية وهذه المشاعر هي التي يثيرها شارون قبل ان تتكلم الضحية الحقيقة لارهابه. ومن ذلك فان حزب العمل وبكل توجهاته بات مهددا حقيقيا بالخروج من الحكومة الائتلافية وشارون الذي ادرك ذلك يظهر لا مبالاته ورغم كل ذلك فالتهديد الحزبي في اسرائيل يحيطه من كل جانب. فقد هدد حزب الاتحاد الوطني «اسرائيل بيتنا» شارون بالانسحاب من الحكومة وحلها اذا استمر شارون بأي نوع من المفاوضات مع الفلسطينيين وهو حزب يميني متطرف ويشغل مقعدين وزاريين هما لبني آلون وفيجدرو ليبرمان. وكذلك تصرفت حركة شاس التي لم توافق حتى على مشروع الموازنة. ويبقى الخطر الاكبر على شارون من حزبه الليكود فقد قام اعضاء اللجنة المركزية لهذا الحزب بجمع 800 توقيع وسلموها لرئيس اللجنة «تزاهي هاتيجبي» وطالبوا بعقد اجتماع للجنة للتصويت على قرار يمنع الليكود من الاعتراف بانشاء دولة فلسطينية كما دعوا رئيس الوزراء بالتوقف عن المفاوضات مع الفلسطينيين، وبالمناسبة فان الليكود استطاع لأول مرة ان يجمع هذا العدد من التواقيع مما يشير الى حدة التطرف التي باتت تسيطر على الكيان الصهيوني بمجمله. وفي هذه البلبلة التي تسيطر على الحزب قام الوزير «داني نافيه» من الليكود ايضا بتقديم مشروع للكنيست يطالب فيه اعتبار اتفاقيات اوسلو باطلة وغير ملزمة لاسرائيل. ان مشهد الصراع الحزبي والحكومي في الكيان الصهيوني مشهد معقد ويبدو ان مجمل التعقيدات تصب ضد أي اتفاق أو مفاوضات فاسرائيل باتت تريد ان تبقى الصورة على ما هي عليه بل لعلها تريد في واقع الأمر ان تبقى تمارس اعمالها الاجرامية كما خططت لها ولمدة ست سنوات على الاقل مما يجعل برأيها جميع القوى الفلسطينية تتنازل عن كل طموحاتها وهي رغبة تشغل الكيان الصهيوني بأكمله وتشغل اشكالية الصراع الحزبي بين شارون واليعازر وحتى بيريز وهذه الاشكالية يبدو انها تدار بصورة فردية فكل واحد منهم يدير دفتها حسب مصالحه الخاصة مما يفسح المجال اكثر واكثر كي يزداد شارون دموية على الفلسطينيين ولكي يبقى ممسكا بزمام الامور ليرد على الجميع بطريقته الخاصة التي لا تخلو من توتر وخوف على مستقبله الوزاري. رأس الافعى لعل الواقع الحالي للحكومة الاسرائيلية ينذر بالانهيار رغم كل ما تدعيه احيانا بالتوازن ولكن هذا التوازن خرج عن طوره في المرحلة الاخيرة وبدأت تتكشف مستويات عالية من الصراعات الجديدة التي بدت واضحة في الاجواء الحالية التي تمر بها مرحلة الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني بكل ما تحمله اسرائيل من بطش بحق الفلسطينيين، ولكن قوى الاحتلال الحالية وعلى مستوياتها السياسة المتنوعة لا تعيش اليوم مطمئنة البال لأن حقيقة الصراع الداخلي الاسرائيلي باتت تنذر بانهيارات كثيرة ليس اولها انهيار الحكومة الشارونية الحالية التي جمعت ائتلافها مفضلة ضم العناصر المتطرفة مما جعل شارون ذاته يعاني من هذه الحكومة ليس لأنها متطرفة بالطبع بل لانها بدأت تحفر تحته كي تخرجه من منصبه، وهنا يبدو ان شارون قد أدرك اللعبة بكل ابعادها فبدأ يتخبط اكثر من ذي قبل فقد رد على تصريحات حزب العمل الذي هدد بالانسحاب من الحكومة خاصة بعد ان تسلم زعامة الحزب اليعازز وتهديده هذا تركز على امتلاكه لحكومة ائتلافية بدون حزب العمل وقد وجه كلامه غاضبا بالقول: لدي حكومة حتى بدونكم وبالطبع بدون اليعازر وبيريز اللذين يشكلان عصب الحكومة وزراء العمل، ولم يكتف شارون بهذا الرد بل تنوعت تصريحاته لتدلل كلها انه ما زال متخوفاً من جميع التيارات السياسية سواء كانت يسارية او يمينية فرده على اعتراضات الليكود تمثلت في تخليه عن خطة بيريز وبشكل علني علما انه من المفترض ان يكون قد اطلع عليها قبل ان يسرح ويمرح فيها بيريز لكنه وبعد ان رأى الاعتراضات الشديدة قال لحزب الليكود: هذه الخطة لن تأتي بأي شيء ولم تعد قائمة لقد دفنت.. وهي خطيرة على اسرائيل، وبيريز تجاوز في اتصالاته مع كان متفقا عليه ولن اوقع عليها ابدا. اذا ماذا يريد شارون من حكومته، اولا ومن الفلسطينيين ثانيا؟! الواقع ان شارون يريد اولا وقبل كل شيء ان يبقى رئيسا للوزراء كي يكمل جرائمه التي باتت لا تعد ولا تحصى وبالمقابل كي يرضي غروره امام القيادة السياسة والاحزاب الصهيونية وبأية طريقة يريد ان يرضي الشارع الاسرائيلي الذي وعده قبل ان يتسلم السلطة بالامن ولم يستطع ان يحقق ادناه في ظل الانتفاضة رغم استخدامه احدث الاسلحة الامريكية، اما ماذا يريد من الفلسطينيين فإنه بلا شك يريد كل شيء حتى احتلال الاراضي التي اعيدت للفلسطينيين بعد اوسلو وهو لايريد لأية مفاوضات مع السلطة الفلسطينية ان تكون مفاوضات امنية فهو دائما يركز على هذا المحور وصارت عبارته الشهيرة هي وقف تام لاطلاق النار قبل الدخول في اي موضوع سياسي. فهو يقول: ان المفاوضات التي اسمح بها مع الفلسطينيين تقتصر على الجانب الامني فقط وهو يطالب السلطة الفلسطينية بالمزيد وكأنها هي التي تشن الحرب بالطائرات والدبابات على الكيان الصهيوني؟ ويقول في هذا الجانب مع اننا نشهد تراجعا للاعتداءات الارهابية «كما يحلو له ان يسميها» فإننا نطالب السلطة الفلسطينية ان تفعل المزيد.. ولن تكون هناك مفاوضات بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية قبل ان يتوقف الارهاب تماما، ولعله قد نسي ان يقول قبل توقف الارهاب الاسرائيلي!! والتساؤل الحالي المطروح ما هي المفاوضات، وعلى اية ارضية يجب ان تقوم؟! الحقيقة ان اية مفاوضات مع الجانب الفلسطيني امام آراء شارون وافكاره لن يكون لها اية نتائج، فهو يريد كل شيء والاحزاب الاسرائيلية تريد ما يريده شارون الذي يتمنى في قرارة نفسه ان يتخلى حتى عن اتفاق اوسلو وهو يصور الـ 42% من الاراضي التي احتلتها اسرائيل عام 1967 بأنها تنازل مؤلم، فهل يسعى الى استردادها؟ بوده ذلك. اذا بقي يسير على هواه وعلى هوى جميع الاحزاب الاسرائيلية وان لم يجد ما يردعه؟ ولن يكون هذا الرادع الفلسطينيين وحدهم، بل من المفترض وبعد كل هذه التحديات التي تحيط بالعرب ان يقفوا بوجه شارون، وباستطاعتهم ذلك ان ارادوا واجادوا. ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق