هل نظرت إلى السماء ذات صباح، هل شاهدت فيها بقعة صغيرة بيضاء أو سوداء اسمها غيمة، لا يهم لونها وحجمها، المهم نفسيتك لحظتها، كيف كان حالها، كيف ولّدت فيك هذه الغيمة رغبة التفاؤل والانتظار، كيف كبر حلمك أن تكبر الغيمة وتصبح غيوماً تغطي السماء وأن تتساقط مطراً. ما كنت لتهتم أنت العطشان بشكل الماء المنهمر، أكان بصحبة الريح والرعود هادراً صارخاً أو جاء رذاذاً ناعماً، كله حسن عندك، إذا هبّت معه الجنوب أو صاحبته الثلوج والعواصف. تريده يأتي، كيفما يأتي. ماذا لو حرقت الشمس بقعة الغيمة تلك، تقطعت وغابت في فضاء السماء وما عاد لها وجود، كيف سيكون حالك، ماذا ستولّد الغيمة الميتة فيك؟ ستحزن كثيراً، سيحل فيك الضجر، ستشعر بالتعب، بالتأكيد إن دواخلك ستتغير، ستصغر كثيراً، ورغبة الحلم ستضيق عندك. معذور أنت. الدواب مثلك أيضاً في هذا الوله والانتظار واليأس، والأشجار كذلك وحتى الأرض جميعهم عند ذكر المطر يتولّد فيهم الاحساس وتنبت فيهم المشاعر ويأتيهم الحلم. غياب المطر يؤثر في المكان والنفوس والحياة، فلا أصعب من طعم الظمأ، أن تنتظر الماء ولا يأتيك. غيمة أخرى قد تلوح لك في السماء تزيل عنك شبح القنوط، تنتظر فيها طعم المطر، لا يهم متى تمر هذه الغيمة عليك، إذا جاءت في المساء، فإن الأرض ستنام وهي تحلم أن يتساقط عليها ويرويها الهطل، وإذا غاب الظلام وحمل الليل غيمته، فإن النهار سيجعلك أشد إصراراً وعناداً على فعل التحدي وانتظار أن تتغير السماء ويُقبل المطر. الذي يجعل من المطر أمراً يشغل الناس ويؤثر فيما حولهم ويصنع معنوياتهم هو هذه الطقسية الملتهبة الحارقة التي تعيشها هذه البقعة من العالم، فأسوأ من منظر الجليد في فترات محددة من العام وهو يغطي الجبال والشوارع وبيوت الساكنين في أصقاع مختلفة من هذا العالم، وتجعلهم يهربون منه أو يخرجون له مثقلين بأغطيتهم وملحهم وجرافاتهم، أسوأ من هذه الصورة هو منظر الشمس وهي تسخّن الأرض ومن عليها حتى درجة الغليان، تُمارس شدتها وتُرسل نورها الناري كل يوم على مدار العام، وتحوّل المواسم التي تعرفها الطبيعة إلى فصل وحيد، هو فصل الشمس. لهذا فإن اليوم الذي تتغير فيه السماء وتغيب عنه الشمس وتظهر فيه الغيمة هو يوم جميل، وإذا جاء فيه المطر فإنه يزيد عن كونه جميلاً فيكون أجمل الأيام. فمثل هذا اليوم في هذا المكان من العالم والزمان من العام يُسجل ويُذكر، وتتردد صورته كيف جاء وماذا حدث فيه وكيف قضاه الفرد وشكل البيئة خلاله؟، يتحوّل يوم المطر إلى مناسبة وتاريخ وذكريات، وما يتبع اليوم الماطر ينعكس على كائنات ومكوّنات البيئة: فقامات النخيل وأوراق الشجر التي تتلوى من العطش، يتعبها الانتظار فتصفّر وتسوّد وتذبل هاماتها وأطرافها، تعود لها مع المطر نضارتها، تقوى أغصانها وتتبدل الأوراق الكئيبة الباهتة إلى أخرى أكثر بريقاً، خضراء يانعة، تشعرك انها حيّة وانها تشابه الأشجار التي تحسّها في الصور والمناظر الجميلة مثلها كبقية النباتات التي تشاهدها في السفر تسكن أنحاء الأرض. والدواب التي يغسلها المطر، تجد طعماً آخر يميز لحمها وحليبها وهيكلها، إن المطر يغيّر حتى من طريقة مشيها ومرعاها وتنفسها. كذلك الأرض في يوم المطر، غير الأرض التي تعرفها طوال العام جافة قاسية، إنها في يوم الماء تبدّل ثوبها وجلدها، لها لون أجمل ورائحة أزكى فيها مزايا ولها محاسن لا تخرج إلا في مثل هذا اليوم. عندما يأتي المطر يتغيّر كل شيء، وقد يأتي اليوم، وقد يأتي غداً، لابد أن يأتي المطر يوماً. فرح الأرض وما عليها مخزون لذلك اليوم.. يوم المطر.