في عالم يبحث عن محو كل أنواع الأمية من الوجود، يبرز نوع خاص من الأمية يتعلق بكيفية التعامل مع الحياة ذاتها وهو ما نسميه بالأمية الحياتية، أي الجهل بالأساليب التي تُعين الإنسان على تدبير حياته اليومية والوقوع في مطبات صعبة أو ورطات من الوزن الثقيل تخلط على المرء ترتيب أولوياته وتحديد أهدافه. وهذا ما يخص تعلّم المهارات الحياتية ابتداءً من العلاقة مع النفس وانتهاء بالعلاقة مع الآخر الذي قد لا نتوافق معه في أجزاء كثيرة من شخصيته أو تفكيره، إلا أننا مجبرون على بناء نوع ما من أنواع العلاقة حتى لا نعيش في جزر معزولة نصطدم بأمور قد تزيد من حدة ردود أفعالنا على ما يحدث في هذا العالم المتناقض، ومع ذلك نطالب أن نكون في قمة الإيجابية معه. صدق من قال إن الحياة مدرسة مختلفة عن المدارس المنهجية سواء كانت على مستوى التعليم العام أو الجامعي وما بعده، فالدراسة الأكاديمية وحدها لا تكفي لاكتساب مهارات الحياة بالنسبة للفرد الذي يريد أن يكون مؤثراً ومضيفاً للمجتمع ولا يكون رقماً ضائعاً فيه. عندما تقابل شخصاً آلياً في حركته مع الحياة يقف متذمراً عند أدنى مشكلة وهي عادية يواجهها في بداية مشواره لتكوين نفسه وعقله للعمل المستقبلي والبناء العملي لحياته الخاصة، ولا يملك مما درس أو قرأ أو سمع شيئاً ينجيه مما هو فيه، فإلى من يلجأ وإلى من يتحدث عن بداية همه قبل أن تتكالب عليه الظروف فيفقد نفسه والآخرين معه. لا نستغرب وجود هؤلاء وبكثرة في المجتمع بشرط الاحتكاك بهم دون إحراجهم لأننا نعذرهم لأن سنوات التعليم والتربية الأولى والثانية والثالثة لم تصقل لدى هذا الإنسان المواهب والمهارات التي يحتاجها الفرد العادي عندما يقابل تحديات الحياة العملية سواء كان في العمل أو في الأسرة أو في الأماكن العامة، فكل هذه المسارات المتنوعة تضع بعض الأفراد في مواجهة سلبية أحياناً لانهم يرون السلبيات قبل التصرف حيالها بإيجابية فتكون ردة الفعل عكسية تجاه الإيجاب قبل السلب. إن وتيرة الحياة في تسارع يصعب اللحاق بها إلا باستخدام جرعات من التعقل المتأني في اتخاذ القرارات المصيرية تجاه أي قضية في المجتمع الذي نعيش فيه. فتقبل الحياة على علاتها أمر مشين والوقوف ضدها أشنع لأنك لا تأخذ منها شيئاً أنت تريد أن تعيش فيها بكل ما فيها ولكن بأسلوبك الخاص ونكهتك التي تضيفها إلى بقية النكهات التي تحسّ بها أو تشمها من خلال الآخرين، فالحذر أن تملك كل المهارات العلمية ولا تستطيع أن تضعها في أماكنها لأنك تفتقد إلى المهارات الحياتية التي تضع الأمور في نصابها حتى لا تنقلب ضدك. E-Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae