بينما تعكس عملية صنع القرار السياسي في اسرائيل اجماعا قوميا تتشارك فيه حكومة وبرلمان منتخبان مع تنظيمات المعارضة فإن صنع القرار الفلسطيني لا يعكس الا حالة انفرادية احتكارية لا يتعدى عدد الاشخاص المشاركين فيها اصابع اليد الواحدة. هذا الاستخلاص الذي طرحه نايف حواتمة الامين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في سياق مقابلة نشرتها قبل بضعة ايام صحيفة خليجية ليس استنباطا نظريا قد يصح وقد لا يصح.. إنما يعرض حواتمة ـ هذا القيادي والمفكر الفلسطيني المخضرم ـ واقعا مرئيا وحقيقة ملموسة يعرفها الفلسطينيون قاطبة وان كان البعض يفضل عدم تسليط الضوء عليها او التوقف عندها. وحتى حواتمة نفسه، بكل أوراق اعتماده النضالية وسيرته النظيفة ما كان ليثير هذا الامر الا بعد ان رأى، كما رأى معظم الفلسطينيين ان الانتفاضة الفلسطينية تواجه الآن ظرفا حاسما يتهدد استمرارها.. ولأن هذا الظرف الخطير يتهدد الوحدة الوطنية الفلسطينية فإن الامين العام للجبهة الديمقراطية رأى ان من واجبه ان يتكلم بصوت مرتفع. لقد تطرق حواتمة الى احداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة وكيف ان تداعياتها المتعاظمة خلقت مناخا دوليا جديدا ينطوي على عداء غربي بالغ الشراسة لحركات التحرر الوطني عامة والحركة الوطنية الفلسطينية بوجه اخص. ونذكر ان الرئيس عرفات في خطابه «التاريخي» في عيد الفطر الفائت توقف عند هذه الظاهرة الدولية الجديدة ايضا. ولكن بينما دعا عرفات الى تفاعل فلسطيني مع هذه الظاهرة يتطلب ان تخلع المقاومة الوطنية الفلسطينية أنيابها المسلحة لوقاية الشعب الفلسطيني من النقمة الامريكية الاسرائيلية التي تتخذ اسم مكافحة الارهاب، فإن حواتمة يقول ان هذه المحنة «يجب ان تدفعنا للتفتيش مجددا عن نقاط اوراق القوة بيد شعبنا وبيد الانتفاضة». ومن هنا اعلن ان اول هذه الاوراق يتمثل في الوحدة الوطنية». وكما رأينا ورأى العالم فإن عرفات اتبع قوله بخطوات عملية فشرعت اجهزة الامن الفلسطينية في مسلسل اعتقالات لعناصر المقاومة من مختلف المنظمات والفصائل. ان السؤال الكبير الذي يجب ان يطرح اليوم بالحاح شديد هو ما اذا كانت قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية حريصة على الوحدة الوطنية الفلسطينية اكثر مما هي حريصة على بقائها كسلطة. ان تحقيق الوحدة الوطنية يتطلب توحيدا سياسيا بين قيادة السلطة وفصائل المقاومة. وهذا التوحيد السياسي لن يتحقق في غياب برنامج وطني متفق عليه بين الجميع. لكي يتبلور هذا البرنامج الوطني فإن الشرط الاساسي هو فتح حوار ديمقراطي بين قيادة السلطة وقيادات الفصائل. ولكن اذا كانت السلطة تعتمد في تعاملها مع فصائل المقاومة اسلوب الاعتقالات والمداهمات عوضا عن الحوار فإن المسألة برمتها تدعو الى الاسترابة. لقد تحدث حواتمة عن «التفرد والانفراد» في اتخاذ القرارات والتحركات المصيرية بما في ذلك التكتيكات التفاوضية اليومية «وكل ما يطبخ داخل مطبخ ضيق» ومن ثم دعا الى رد القرار الوطني الجماعي الى هيئات منظمة التحرير الفلسطينية عوضا عن بقائه في ايدي بضعة افراد على صعيد جهاز السلطة. «لنتعلم من تجربة عدونا»: هكذا صاح حواتمة. فالائتلاف الحكومي في اسرائيل ومعه البرلمان هو المرجع الاول والاخير لتقرير السياسات الاسرائيلية ويضرب مثلا لذلك بأن اتفاق اوسلو نوقش في البرلمان الاسرائيلي قبل اقراره وتوقيعه مع الطرف الفلسطيني. وبالطبع فإن القادة الاسرائيليين قد يختلفون بقدر ما يتفقون سواء ما بين الحكومة وأحزاب المعارضة او داخل الائتلاف الحزبي الحكومي لكن ارييل شارون لن يصدر امرا باعتقال شيمون بيريز او مداهمة اعضاء حزبه. فلنتعلم من العدو.