نعود ثانية للحديث عن ظواهر فنية دخلت إلى الذائقة العربية من بوابة «الجمهور عايز كده». فقد أشرنا منذ عدة أسابيع إلى ان تفشي ظاهرة الابتذال في الغناء سببه سقوط المشروع القومي وتراجع الإيمان بفكرة الهوية الواحدة، وبالتالي يصبح شعبان عبدالرحيم بديلاً عن نشيد «بلاد العرب أوطاني»، كما يصبح يوري مرقدي بديلاً عن أغنية «الأطلال». فالأول قدم أغنية «أنا بكره إسرائيل» المليئة بالجمل المباشرة واللحن غير المتناسق فذاعت شهرة الأغنية وتناقلها الناس من باب التندر والسخرية لأنها باعثة للضحك مثيرة للخجل، وهكذا سقط المحتوى الوطني من عمل يفترض أن يعمل على تعبئة الوجدان القومي وأن يرفع من معنويات العربي ويحرّضه على الاستمرار في صموده ونضاله، وحل محل كل ذلك كلام فج مباشر لا يرقى إلى مستوى الفن، بل أساء إلى قضية العرب المركزية وشوّه حقيقة المشاعر الوطنية، فأصبح ما هو رخيص ومبتذل عنواناً للصمود العربي.. وا أسفاه. أما الثاني ونقصد به «يوري مرقدي» ـ لاحظوا الاسم ـ فهو نتاج مرحلة العبث المجاني الذي قدم أغنية فخمة العنوان مضعضعة المعنى «عربي أنا» فيها من عدم التوافق والترابط اللغوي ما يثير الشفقة على شاب لاهط الشعر مصبوغ الخصل يحيط جسده بإطارات حمراء (النظارة وساعة المعصم والحذاء والحزام والقيثارة، وأشياء أخرى لا نراها) كما لا يتوانى عن الظهور عبر برامج مائعة في بعض المحطات الفضائية ليقدم بيضته الدهرية «عربي أنا» والتي ذاعت شهرتها وتناقلها الناس لأنها خير مثال على مرحلة الخواء الفكري والفني، إذ لا أحد من الذين استمعوا إلى «عربي أنا» يعرف ما قصده الشاب يوري من جملة «قلبي قفص دهري يحرسه رمح مخملي»! كما أن لا موسيقار عربياً كان أم أجنبياً يستطيع أن ينوط اللحن لأن لا جملة موسيقية لها علاقة بالأخرى! إن تفشي ظاهرة الابتذال سببه دون ريب هذا الكم الهائل من الترويج الإعلاني لهؤلاء الذين يشوّهون الحاضر ويُمرضون المستقبل حيث لا تخلو مطبوعة عربية من صور أو خبر لهم، كما لا تخلو محطة فضائية من قفشة من هنا أو صورة من هناك عن هؤلاء، ولا تألو إذاعات الـ «إف.إم» الكثيرة جهداً في تكريس تلك الأغاني حتى تعشش في الرأس ويصبح الاستماع إلى أحد هؤلاء صباحاً لا يقل أهمية عن صوت فيروز! تفشي تلك الظاهرة سببه غياب ميثاق الشرف الأخلاقي لدى مروجي هذا النمط من الثقافة الفنية، حيث إن كل وسيلة إعلامية مرئية أو مطبوعة أو مسموعة تحتاج إلى تعبئة المساحة الشاسعة من حجم البث أو عدد الصفحات، ولو بحثت تلك الوسائل الإعلامية عن بدائل أفضل لأحالوا ذلك العبث إلى مزبلة التاريخ واكتفت كل وسيلة إعلامية بنصف الوقت أو المساحة المخصصة للبث أو الطباعة، ووفّرت ملايين الدولارات التي تُهدر على تكريس المعوقين فكرياً والمتقاعدين وجدانياً وخلّصت أجيالنا الشابة من أمراض ستصيبهم مستقبلاً وخلصتنا من الزن والنق المتصاعد الذي أودى بكل تراثنا الغني إلى الإهمال والنسيان. بقي أن نقول إن تلك النماذج تقدم عملاً واحداً فقط يُشبه بيضة الديك تعيده مراراً وتكراراً حتى يعشش في رؤوسنا، فننسى أن هؤلاء خير معين لأعدائنا في تشويه وجداننا وأن بيضة الديك التي يبيضونها وتسبب شهرتهم هي بيضة فاسدة. وتأكيداً لكلامنا هذا نسأل: هل تعرفون أغنية أخرى لشعبان عبدالرحيم غير «أنا بكره إسرائيل»، أو هل تعرفون أغنية أخرى ليوري مرقدي غير «عربي أنا»؟ لا تفكروا كثيراً لأن الجواب: لا.