بلاغ الى من يهمه الأمر في العالم العربي والاسلامي.. اسرائيل استغلت الحرب الأفغانية الجارية لبدء مرحلة جديدة من تغلغلها في دول آسيا الوسطى الاسلامية، بما فيها أفغانستان نفسها!! وتمثل هذه المرحلة الجديدة استمرارا لجهود صهيونية طويلة، بدأت مع تصدع الاتحاد السوفييتي السابق منذ أكثر من عشر سنوات. وهو تغلغل يزداد اتساعا وعمقا وخطورة بمرور الوقت ويجري في غياب شبه تام للعالم العربي والاسلامي. لكن التغلغل الصهيوني في آسيا الوسطى هذه الأيام يتسم بخطورة استثنائية، ويصل الى حد المشاركة المباشرة في الحرب الأفغانية، ليس فقط من خلال المشاركة المخابراتية واسعة النطاق، بل وأيضا من خلال اشتراك وحدات عسكرية اسرائيلية في الحرب الى جانب القوات الأمريكية.. ومنذ المراحل الأولى لهذه الحرب. والمفاجأة التي قد تذهل الكثيرين هي أن اسرائيل لديها اتصالات ببعض أطراف التحالف الشمالي الأفغاني منذ عدة سنوات!! لكن هذا أمر سنجيء الى تفاصيله في مكانه المناسب من مقالنا. خلف الستار حينما بدأت الولايات المتحدة حشد التحالف الدولي لشن الحرب على حكومة طالبان وتنظيم القاعدة كان بديهيا أن أمريكا لا تستطيع السماح لاسرائيل بلعب دور علني في هذا التحالف.. فقد كان من شأن هذا أن يثير غضب الجماهير في الدول العربية والاسلامية، وأن يضع حكومات تلك الدول في حرج شديد أمام شعوبها.. وأن يؤثر بالسلب على التحالف بشكل أو بآخر. أما في واقع الأمر فإن اسرائيل كانت منذ بداية الحرب الأفغانية شريكا فاعلا في التحالف الدولي وفي أكثر مهماته حساسية، وإن يكن ذلك من خلف الستار، وبأكبر قدر ممكن من التعتيم الاعلامي. إلا أن من الصعوبة بمكان كبير التكتم على الأحداث المهمة في زمن الحرب حين تتركز أنظار الاعلام على أدق التفاصيل في مسرح المعركة نفسها وعلى ما يجري في الكواليس.. وهكذا بدأت الوقائع تتكشف عن حقيقة الدور الاسرائيلي في الحرب الجارية والتحالف الدولي الذي يخوضها. وكانت الواقعة الأولى بالغة الخطورة هي تلك التي كشف عنها تقرير للكاتب الشهير سيمور هيرش في مجلة نيويورك تايمز الأمريكية عدد 29 أكتوبر ـ 5 نوفمبر 2001 وقد أشار التقرير الى وجود خطة أمريكية للسيطرة على الرؤوس النووية الباكستانية «24 رأسا» وتأمينها ونقلها الى خارج باكستان وتدمير المنشآت النووية في البلاد في حالة قيام جنرالات ذوي اتجاه اسلامي بانقلاب عسكري يطيح بالجنرال مشرف!! وأكد التقرير استنادا الى مصادر رفيعة المستوى في المخابرات الأمريكية والبنتاجون، أن وحدات منتقاة بعناية من القوات الخاصة الأمريكية تقوم بتدريبات مكثفة في أماكن سرية بالولايات المتحدة بالاشتراك مع قوات من وحدة العمليات الخاصة الأكثر كفاءة بين قوات الكوماندوز الاسرائيلية. وهي وحدة (سايرات ماتكال Sayerat matkal ) المعروفة أيضا باسم الوحدة 262 والمتخصصة في العمليات الأكثر سرية وخطورة. وجرت التدريبات تحت اشراف كل من المخابرات الأمريكية والبنتاجون تمهيدا لنقل الفريق الأمريكي ـ الاسرائيلي الى باكستان. كما أشار سيمور هيرش الى أن القوات الخاصة الاسرائيلية وصلت الى الولايات المتحدة بعد أيام قليلة من وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر.. أي أن واشنطن لم يكن لديها أدنى تردد منذ البداية في تحديد شركائها الموثوق بهم في أكثر العمليات حساسية وخطورة. وقد سارع البنتاجون، بالطبع الى نفي الواقعة.. ثم سارعت آلة الاعلام الأمريكي الجبارة الى اسدال استار التعتميم عليها.. أما الاعلام العربي فلم يتوقف عندها كثيرا بالرغم من دلالتها الخطيرة. في ميدان المعركة الواقعة الثانية كشفت عنها صحيفة يهودية روسية هي (بفرييسكايا جازيتا) (الصحيفة اليهودية) ذات الصلة الوثيقة بقيادة الجالية اليهودية في روسيا. فقد أشارت الجريدة الى وجود وحدات اسرائيلية من القوات الخاصة السابق الاشارة اليها (سايرات ماتكال Sayerat Matkal ) في ميدان المعارك على الأراضي الأفغانية لتقديم المساعدة الى القوات الأمريكية والبريطانية في عملياتها ضد مقاتلي طالبان والقاعدة. وأشارت الجريدة الى أن الوحدات الاسرائيلية تقدم مساعدات استشارية للأمريكيين والبريطانيين وأنها جاءت الى أفغانستان بناء على طلب من واشنطن بعدما وقعت وحدة من قوات دلتا الأمريكية الخاصة في كمين لمقاتلي طالبان بالقرب من قندهار ـ الحياة 4/12/2001. ترى هل تحتاج القوات الخاصة الأمريكية والبريطانية بكل خبراتها الطويلة في المعارك عبر العالم كله الى مساعدة الاسرائيلين؟!! ربما.. لكن الأمر المؤكد تماما هو أن اسرائيل ستطالب بثمن باهظ لهذه المساعدة. أما الواقعة الثالثة كشفت عنها صحيفة «صنداي تليجراف» البريطانية 16/12/2001 فقد ذكرت الصحيفة أن القوات الأمريكية استخدمت صواريخ ذكية اسرائيلية من طراز كي.جي.إم142 في قصف كهوف ومغاور جبال تورا بورا التي كان تنظيم القاعدة يتحصن فيها. وأشارت الصحيفة الى أن هذه الصواريخ متطورة الى حد يسمح لها بالدخول مباشرة الى فتحات الكهوف والمغاور. وأوضحت الصحيفة أنه يتم تحديد أهداف الصواريخ بواسطة وحدات من القوات الخاصة، تنقل المعلومات الى قاذفات بي ـ 52 التي تحلق في انتظار الأوامر بالقصف، ليقوم طاقمها باطلاق الصاروخ الذي تساعد كاميرا مثبتة في مقدمته على توجيهه نحو الهدف ويبلغ مدى هذا الصاروخ 50 ميلا بحريا. الواقعة الرابعة كشفت عنها صحيفة «هاآرتس» الاسرائيلية من خلال حديث أجرته مع مدير مركز الأبحاث العسكرية الاسرائيلية، الذي أعلن أنه سافر الى واشنطن قبل بدء الحرب في أفغانستان للتشاور مع الأمريكيين حول المعدات المتطورة تكنولوجيا التي يمكن أن تقدمها لهم اسرائيل، وخاصة في مجالات كالتنصت والمراقبة ومطاردة الأفراد المطلوبين ـ الأهرام ـ 20 ديسمبر 2001 ـ وواضح أن الدولة الصهيونية حققت تقدما في انتاج الأسلحة الذكية والمعدات الالكترونية المتطورة الى الدرجة التي تجعل الولايات المتحدة ذاتها تستعين ببعض هذا الانتاج. خلاصة القول أن اسرائيل كانت شريكا فاعلا في الحرب الأمريكية على أفغانستان منذ البداية.. ولم تكتف باستغلال انشغال العالم بتلك الحرب.. والأجواء التي رافقتها لتضرب الانتفاضة والسلطة الفلسطينية. بل كانت الدولة الصهيونية تعمل بنجاح أيضا على جبهة أفغانستان وما حولها! وليس هذا غريبا فاسرائيل تعلن منذ عقود أن مجال مصالحها الحيوية يشمل قوسا يمتد من باكستان شرقا الى المغرب العربي غربا. والواقع أن اسرائيل قد حققت من خلال هذه المشاركة الفاعلة، اختراقا بالغ الأهمية في أفغانستان خصوصا بالاضافة الى الدعم الكبير لمواقعها القوية أصلا في آسيا الوسطى السوفييتية السابقة. وهذا هدف تسعى اليه الدولة الصهيونية منذ سنوات وقد نجحت بالفعل في اقامة اتصالات ببعض فصائل التحالف الشمالي الحالي منذ عام 1998 إن لم يكن قبل ذلك. مفاجآت قديمة ويبدو الحديث عن اتصالات اسرائيلية قديمة بأطراف أفغانية، بما في ذلك فصائل من المجاهدين بمثابة مفاجأة مذهلة للكثيرين في العالم العربي والاسلامي. لكن هذا ما حدث فعلا. وأعلنت عنه الصحافة الاسرائيلية والغربية في حينه ونقلت عنها بعض الصحف العربية، وبصورة مقتضبة.. ثم نسى الاعلام العربي الموضوع تماما كالعادة. فقد أشارت صحيفة يديعوت أحرونوت الاسرائيلية في تقرير لها 14 يونيو 1998 الى لقاء تم قبل ذلك بشهور أوائل 1998 بين المدير العام لوزارة الخارجية الاسرائيلية وقتها وأحد وزراء حكومة رباني في إحدى العواصم الأوروبية والى لقاءات بين سفيري تلك الحكومة في الولايات المتحدة والأمم المتحدة، مع نظيريهما الاسرائيليين كما أشارت الصحيفة الى زيارات قام بها مسئولون اسرائيليون الى المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة رباني شمال أفغانستان وقتها، بعد أن كانت طالبان قد سيطرت على كابول وأغلب مناطق البلاد عام 1996. وذكرت يديعوت أحرونوت أيضا أن اتصالات جرت بين الاسرائيليين وحكومة طالبان إلا أن الأخيرة سارعت الى نفي الخبر بصورة قطعية. وذكرت صحيفة الحياة اللندنية 16 يونيو 1998 أن الرئيس الأفغاني المخلوع برهان الدين رباني التقى بالسفير الاسرائيلي في المانيا آفي بريمور أثناء زيارة قام بها رباني الى بوت للعلاج وذكرت الصحيفة أن هذا اللقاء أثار غضبا شديدا لدى عدد من حلفاء رباني من المجاهدين السابقين مثل عبدرب الرسول سياف. وكانت الضجة حول هذه الاتصالات قد بدأت في أوائل يونيو 1998 حينما وقع زلزال مدمر شمالي أفغانستان راح ضحيته حوالي خمسة آلاف ـ 5000 نسمة ـ وسارعت اسرائيل الى اعلان تبرعها بخمسة عشر - 15 - طنا من مواد الاغاثة لضحايا الزلزال إلا أنها اشترطت أن تحمل مواد الاغاثة ما يشير الى أنها اسرائيلية. وأثار هذا الاعلان غضب عدد من حلفاء رباني وطلب الصليب الأحمر الدولي من اسرائيل ازالة علاماتها عن مواد الاغاثة فرفضت وهذا مفهوم طبعا فهي تريد النفوذ السياسي والاعلان عن العلاقات القائمة، وليس نجدة ضحايا الزلزال. وهذا ما حدث بالفعل فقد نشرت يديعوت أحرونوت تقريرها المشار اليه ووصلت مواد الاغاثة بعلاماتها الاسرائيلية، الأمر الذي أدى الى مظاهرات احتجاج حاشدة في مزار الشريف عاصمة الشمال الأفغاني. وأكدت صحيفة «التايمز» البريطانية ـ 18 يونيو 1998 ـ وجود هذه الاتصالات استنادا الى مصادر مخابراتية غربية والى نشرة فورين ريبورت البريطانية كما أشارت التايمز الى وجود اتصالات بين اسرائيل والفصيل الرئيسي الثاني في التحالف الشمالي.. نعني المليشيات الأوزبكية بزعامة الجنرال عبدالرشيد دوستم.. ومعروف أن الأخير تربطه علاقات وثيقة بكل من أوزبكستان وتركيا، وأنه أقام فترة في طشقند، انتقل بعدها الى اسطنبول، ثم عاد مؤخرا الى أوزبكستان ومنها الى الشمال الأفغاني، بعد بدء الحرب الأخيرة. ومعروف أيضا أن أوزبكستان تربطها علاقات وثيقة باسرائيل. بينما تربط الأخيرة بتركيا علاقات تحالف عسكري. وأشارت التايمز في تقريرها الى أن اسرائيل كان من بين أهدافها الرئيسية من وراء هذه العلاقات نشر أجهزة الكترونية متطورة للتجسس على البرنامج النووي والصاروخي الايراني. وربما نضيف من جانبنا، التجسس على البرنامج النووي الصاروخي الباكستاني أيضا.. وتعزيز التغلغل المخابراتي الاسرائيلي في آسيا الوسطى عموما. من يدفع الثمن؟ والآن، وبعد هزيمة طالبان، وتنصيب حكومة جديدة في كابول تدين بوجودها للولايات المتحدة، أصبح لدى اسرائيل أوراق قوة متنوعة في أفغانستان. فلديها علاقات قديمة بتحالف الشمال، وخاصة فصيل رباني الذي يسيطر على أهم الوزارات في الحكومة ـ الدفاع والداخلية والخارجية ـ كما يسيطر هو وفصيل دوستم على وزارات أخرى عديدة. والأهم من ذلك أن اسرائيل لعبت دورا فاعلا في الحرب كحليف للولايات المتحدة التي أصبحت لها اليد العليا في أفغانستان. وبديهي أن تطالب الدولة الصهيونية بثمن خدماتها للتحالف الدولي وللولايات المتحدة تحديدا في الحرب الأفغانية ويمكن أن يشمل هذا الثمن المطالبة بوجود عسكري ومخابراتي اسرائيلي دائم، أو طويل الأمد في أفغانستان وغيرها من دول آسيا الوسطى جنبا الى جنب مع الوجود الأمريكي للمشاركة في المعركة المستمرة ضد الارهاب في المنطقة وبديهي أن يشمل المطالبة باقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية مع الحكومة الأفغانية الجديدة. ومن المؤكد أنه سوف يشمل المطالبة بنصيب في كعكة اعادة اعمار أفغانستان للشركات الاسرائيلية. وبغض النظر عن الكلمات المعسولة فإن أحدا لن يقيم وزنا كبيرا للموقف العربي من اسرائيل وعربدتها ضد الشعب الفلسطيني. فالأمزجة في أفغانستان غير ودية تجاه العرب بسبب الاتهامات الموجهة اليهم وخاصة الى تنظيم القاعدة بالتسبب فيما أصاب البلاد من دمار نتيجة للحرب، والحملات الاعلامية المستمرة ضد الأفغان العرب. وخطاب أغلب القوى السياسية الأفغانية يتأمرك بصورة واضحة كل يوم. وبناء على ذلك كله فإن العلاقات العربية ـ الأفغانية مرشحة للتدهور، بغض النظر عن أن الولايات المتحدة ستحاول بالضرورة تحميل جزء محترم من فاتورة اعادة اعمار أفغانستان للدول العربية الغنية. ومطلوب من الدول العربية، وبأسرع ما يمكن دراسة الوضع الجديد، وصياغة استراتيجية عربية واضحة ومحددة للتعامل معه حتى لا تتفاقم خسائرنا في أفغانستان. أما محللونا الاستراتيجيون الحسنو الظن بأمريكا دائما، والذين سارعوا الى تصديق مزاعمها حول استبعاد اسرائيل من التحالف الدولي.. وانطلقوا يدبجون المقالات حول تضاؤل أهمية اسرائيل في السياسة الكونية للولايات المتحدة.. فليتهم يتأملون هذه الأوضاع بشيء من الصدق والجدية والتواضع والمسئولية عن مصالح ومستقبل هذه الأمة العربية والاسلامية. ولعل صمتهم يكون أفضل خدمة يؤدونها للأمة في هذه الظروف الحالكة. ـ كاتب مصري