أتصور أن أهم سبب كان يشدنا الى شعر صلاح عبدالصبور (3 مايو 1931 ـ 14 أغسطس 1981) ـ ونحن في مطلع الشباب ـ هو التمرد المقترن بالجرأة على تحطيم التقاليد الجامدة الثابتة التي كنا نعاني من وطأتها في عوالم الابداع والفكر والسياسة. وكان الكثير من قصائد ديوان الناس في بلادي يستجيب الى دوافع تمردنا، عندما صنع لقاءنا الأول بشعر صلاح عبدالصبور في ديوانه الأول. ولم تكن الكلمة التي كتبها أحمد كمال زكي عن المؤلف والكتاب على ظهر الطبعة الأولى من الناس في بلادي التي أصدرتها دار الآداب البيروتية في شهر يناير 1957 بعيدة عن هذه الأبعاد، فقد كانت كلمات أحمد كمال زكي إبان فترة اشتد فيها الصراع ضد الاستعمار، كما تؤكد أن عينيه تفتحتا على نور يريد أن يعانق البشرية لتعيش في سلام. وتمضي كلمة التقديم مؤكدة أن ظهور الشاعر الشاب ليس حدثا فرديا وإنما هو مظهر لطليعة عاملة كادحة تريد أن تصل الى حياة أضيق ما فيها يسع الأرض والسماء. وتضيف الكلمة ان الشاعر الحزين المتفائل يجمع بين ماضي أمته العربية في ثوبها المصري وبين واقعها المتطور في ظل ثقافة غربية هادفة. وهدفه هو كتابة شعر ينطق بصوت الفقراء، ويسعى الى الاسهام في انبثاق المجتمع الجديد. وكان ذلك كله يبدأ من عنوان الديوان الناس في بلادي الذي هو عنوان القصيدة الدالة فيه، خصوصا من حيث إشارتها الى الناس الفقراء الذين ننتمي اليهم، ونشعر بمشاعرهم، ونحلم أحلامهم، فنظل بعض طبيعتهم الجارحة كالصقور، وبعض غنائهم الذي يشبه رجفة الشتاء في ذؤابة الشجر، أو ضحكهم الذي يئز كاللهيب في الحطب، خطانا تريد أن تسوخ مثلهم في التراب، وأوجهنا تتطلع الى السماء مثل حفيد العم مصطفى، نمد زندنا المفتول، باحثين في عتمة الأفق ـ مع رفاقنا الذين قد لا يملك الواحد منهم حشو فم ـ عن مصباح فريد، مصباح يكشف العتمة عن قيمتي: الحرية والعدل. وكان زهران النموذج البشري الذي يتجسد فيه الناس في بلادي معنى ومغزى، فهو واحد منهم، شب قويا ونقيا وأليفا وفقيرا، وأحب من جاءت له بغلامين، ومضى يصنع الحياة الى أن اصطدم بأعداء الحياة، فشنقوه، وتدلي رأس زهران علامة على الظلم، لكنه ظل حيا كالرمز الذي يلهم الثورة، ويدفع عشاق الحياة الى الدفاع عن كل ما يزيد الحياة حرية وعدلا. ولم يكن زهران سوى أحد الوجوه التي اقتربنا منها أو استعدناها، بفضل الناس في بلادي، ذلك الديوان الذي جعلنا ننظر الى عالم القرية بعينين لا تقلان واقعية عن عين عبدالرحمن الشرقاوي التي امتلأت بالمعذبين في أرض القرية، ونسجت من عالمهم القصيدة العلامة من أب مصري المنشورة للمرة الأولى سنة 1953 والتي كانت إحدى المنارات التي اهتدى بها صلاح في صياغته الناس في بلادي، كما اهتدى بها في الانحياز الى الكادحين المعجونين بطين الأرض. ولذلك لم تكن قرية الناس في بلادي فردوسا يستعاد، أو صدرا حنونا يهرع اليه من يكتوي بنار مدينة بلا قلب، وإنما كانت فضاء للصراع الذي يجمع بين القرية والمدينة، ويضم البشر المسرعين الخطو نحو الخبز والمؤونة، المسرعين الخطو نحو الموت. وكانت المدينة الوجه الآخر لحركة الناس في بلادي، أقصد الى الفضاء الذي يضم الرفاق الطيبين الذين يمرون على الدنيا خفافا كالنسيم، ويضحكون ضحكة بلا تخوم، لا تنداح أصواتهم في دوامة السكون، ما ظل على كاهلهم عبء أن يولد في العتمة مصباح وحيد. وكان الانتماء الى الناس في بلادي الوجه الآخر من الانتماء الى الحياة، ومن ثم الالتزام بمحاربة أعداء الحياة، خصوصا أولئك الذين استعمروا الأرض ونهبوا الخير وذبحوا الأبرياء، وذلك التزام انطوت عليه نفوسنا التي تربت على كره الاستعمار وأعوان الاستعمار، واحتدمت بهذا الكره طوال العدوان الثلاثي على مصر، وظلت محتدمة به كلمة رأت رايات الحرية والوحدة والاشتراكية مرفوعة وعالية وخفاقة. في مثل هذا السياق التاريخي، كان ديوان الناس في بلادي يعتز بوجود قصائد من صنف: هجم التتار، ونام في سلام، ومرتفع أبدا، والى جندي غاضب: سأقتلك، والشهيد. وهي قصائد حملت حماسة التمرد على الاستعمار، وأكدت قدرة الشكل الجديد للقصيدة أن تعيد بناء ما هدم التتار، وتزرع في المدى نوارة السلام، جنبا الى جنب السلاح الذي قاومت به الطغاة، كي تشرق الحياة بالأمل. وبقدر ما كانت هذه القصائد تؤكد معنى المقاومة في الانسان العربي الذي يحمي أرضه ويدافع عن وطنه، مؤكدا حقه في الحرية والعدل، كانت القصائد نفسها تؤكد حضور الانسان من حيث هو الكائن القادر على أن يصنع عالمه الجديد على عينيه، وينتزع من عتمة الظلمة مجتمعه الجديد الواعد. وكان هذا الحضور الايجابي للانسان يفرض نفسه حتى في مدى التأثر بالشعر الأجنبي، خصوصا شعر الشاعر ت.إس.إليوت الذي أعجب به صلاح عبدالصبور وأفاد من تقنياته، لكنه ظل نقيضا له على المستوى الايديولوجي الذي جعل من إليوت نموذجا للمفكر الرجعي في ذلك الوقت. ولذلك فرحنا بالمعارضة النقضية التي أنبنت عليها قصيدة الملك لك في اشارتها الى قصيدة إليوت الشهيرة الأرض الخراب. وتعمدت قصيدة صلاح أن تلفت الانتباه الى بعض هدفها في جعل عنوانها الملك لك مذكرا بجملة حاسمة تتكرر في قصيدة إليوت، مؤكدة خلاصه المسيحي الروحي، وهي الجملة التي استخدمها صلاح في قصيدته لتؤدي المعنى النقيض الذي يبرز حضور الانسان العربي، وجعل منه مالكا للكون الذي لابد أن يسيطر عليه بمعرفته واكتشافه، ويملكه بصنعه وفق ارادته الحرة ومشيئته الخلاقة. ولذلك أصبحت جملة الملك لك في قصيدة صلاح عبدالصبور المفتاح النغمي المتكرر لقصيدة تهدف الى تمجيد الانسان، وتعليم الناس في بلادي نشيد البناء الذي يضيء الدجى بانهمار النجوم، وصيحة الولادة الجديدة لفرحة الحياة والأرض والملك: فيا صيحة لم يقلها نبيّ ولا ساحر همجي الصنج ولكنها في مساري الدماء ومن نبضة الأذرع القادرة وأذكر أن الذين اجتذبتهم الفلسفة الوجودية من بين رفاق الجامعة الأوائل كانوا يؤكدون لنا أن الملك لك صيحة وجودية بالدرجة الأولى، وأنها لا تنقض رجعية إليوت من منظور ماركسي بل من منظور وجودي ظل يزاحم آثار الماركسية في قصائد الناس في بلادي. وكانوا يشيرون بذلك الى قصائد من مثل رحلة في الليل، وحزن، ورسالة الى صديقة، وأغنية ولاء. وهي القصائد التي كانت تبرز فيها معضلة الوجود، وتلقي بأسئلتها المحيرة على الانسان الذي يبحر صوب اليقين. وكان الليل يتحول في مثل هذه القصائد، ويستبدل بمعناه الرومانسي القديم في ليلات جبران معنى مختلفا يرتبك برحلة الضياع في بحر الحداد، حيث الظلام محنة الغريب، واحتمالات الموت القادم كالطارق المجهول، أو المصير الذي يغدو هو ترويع الظنون، كما يرتبط بالرحلة على الورق وراء الابداع، أو الرحلة في دروب الوجود بحثا عن المعنى الذي يولد به الانسان من جديد، وكان الحزن قرين الليل في رحلة البحث الوجودي هذه، الحزن الذي يولد في المساء لأنه حزن ضرير، فيبدو كالطريق من الجحيم الى الجحيم، نتيجة الوعي بأن ريحا من عفن مس الحياة، فأصبحت وجميع ما فيها مقيت. وكانت النغمات الصوفية الاستهلالية تهبط وسط هذا الحزن كالبلسم الذي قد يشفي ألم النفس، فتهبط وسط قصيدة رسالة الى صديقة كحلم الشيخ محيي الدين المرتحل في حدائق الصفاء، مدلا بكشوفه التي لا يفشي اسرارها، مؤكدا أن الانسان داء قلبه النسيان، وكلنا صغار في حضرة الحبيب الذي هو ـ وحده ـ الكبير. ولكن هذه النغمات ما كانت قادرة على أن تصد أمواج الحزن التي تدافعت مع قصائد ديوان أقول لكم الذي صدر في شهر مارس سنة 1961، وكان صدوره علامة على تحول في مجرى شعر صلاح عبدالصبور، ومن ثم فضاء لقصائد من صنف الشيء الحزين التي هبت فيها أنفاس الحزن علينا تندى بلا لزوجة، كأنها الليل حين يرتمي على شوارع المدينة مهدما معابر السرور والجلد.