(الطعام لكل فم) هذا هو عنوان احدى المسرحيات القصيرة التي ابدعها الكاتب المصري الشهير توفيق الحكيم الذي يعد في طليعة آباء المسرح العربي الحديث. لقد كان الحكيم يلخص في عنوان مسرحيته ذلك الحكم الجميل الطموح الذي مابرح يراود خيال البشر في كل زمان ومكان، يستوي في ذلك البسطاء والعلماء بقدر مايستوي فيه أيضا الشعراء والزعماء. وفي كل حال فإن الترجمة والسياسية أو العلمية لشعار (الطعام لكل فم) يمكن بدورها ان تتخلص في العبارة الشهيرة التي مازالت تتصدر أدبيات السياسة الدولية المعاصرة وهي: الأمن الغذائي وهي عبارة لم تعد تقصر فقط على حسن السبك ولا رشاقة أو بلاغة الصياغة، بل هي تتعدى ذلك كي تنصرف الى اضاءة أنوار الانذار أو التحذير الحمراء امام المفكرين والمحللين، وامام الساسة والمخططين من يهتمون بالشأن الانساني ويطلون على هذا الشأن من منطور مستقبلي يحاول ان يفاعل أو يزاوج بين الاحتياجات والموارد مااستطاع الى ذلك سبيلا. من منظور المستقبل ببساطة أكثر.. تستقرئ تقديرات احدى المؤسسات الهامة المعنية بهذا الشأن الانساني وهذا المنظور المستقبلي وهي: المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية هذا المعهد يضع أمامنا تقديرات تقول بالتالي: في عام 2020 ان شاء الله، وفي حالة استمرار المعدلات الراهنة لزيادة السكان في العالم وهو أمر محتمل الى حد الترجيح فلسوف يعج عدد سكان الكرة الأرضية 7.5 مليار نسمة بزيادة 73 مليون كل سنة بين عامي 1995 و2020 للميلاد وهي زيادة تبلغ نسبتها 32 في المائة. معظم هذه الزيادة في اعداد البشر سوف تكون في أقطار العالم النامية ومعظم الزيادة التي تشهدها الاقطار المذكورة سوف تتم في مناطق الحضر. والمعنى باختصار هو: ان سكان العالم سوف يزدادون بأكثر من بليون انسان عن حجمهم الحالي وسوف تتم هذه الزيادة في بلدان معظمها فقيرة أو متوسطة الحال أو رقيقة الحال أو حتى مستورة كما يقول تعبيرنا الدارج البليغ وان كانت الزيادة ـ ويالمفارقة ـ! سوف تتركز في المدن والمناطق الحضرية حيث تزداد احتياجات الناس من حيث الكم ومن حيث النوعية على حد سواء. والشئ الذي يطمئن النفس هو ان معهد بحوث السياسات المذكورة اعلاه لا يسارع الى منطق النذير أو التشاؤم وانما يحيل الى البيانات والاحصاءات أو في السيناريوهات المستقبلية التي يتداولها ثم يقول ان هذه الاتجاهات المستقبلية تشير الى أن الدخل القومي والفردي في بلدان تلك الزيادات السكانية المرتقبة سوف يزيدان في تلك الفترة مماسوف يتيح للأسر المعيشية في الاقطار النامية أن تشتري مزيدا من كميات اللحوم والمنتوجات الحيوانية لسد احتياجات هؤلاء الأفراد من البروتين ومن ثم فإن اسقاطات التنبؤ الاحصائي تفيد بان الطلب على أصناف اللحوم بالذات سوف يزداد على صعيد العالم النامي بمقدار الضعف في الفترة من 1995 ـ 2020 وان كان سيتعين على العالم - من ناحية اخرى ان يزيد انتاجه من أصناف الحبوب في الفترة ذاتها بنسبة تصل الى 40 في المائة لسد احتياجات هذه الزيادة في اعداد ومطالب البشر. تجارة الأغذية حيوية في ضوء هذا كله ترتفع أصوات كثيرة لتدعو الى تنشيط العلاقات التجارية وتفعيل حركة الاستيراد والتصدير في مجال المنتوجات الغذائية بين دول العالم. في هذا الاطار تزداد أهمية البعد التجاري بالنسبة الى تحقيق الأمن الغذائي للبشرية على مدار العقدين الحالي والقادم بل ان هناك من صفوف المفكرين والعلماء من يصف هذا البعد التجاري بأنه (حيوي) من أجل ردم الثغرة الفاصلة بين احتياجات السكان في الأقطار النامية في العالم الثالث وبين قدرة تلك الاقطار وامكانات مواردها على اشباع تلك الاحتياجات. في هذا السياق بالذات يقول خبيران من أمريكا هما الاستاذان (فورد رانج وبنجامين ستيارو): ان الحقيقة الصارخة تؤكد بغير تزويق ان الاقطار النامية سوف تكون بحاجة الى علاقات تجارية أكثر تحرر (من الحواجز والعقبات) من أجل أن تطعم نفسها. وان أمريكا ستكون محورا أساسيا في تلك العلاقات التجارية حيث تدل البيانات على أنه مع حلول عام 2020 سوف تأتي نسبة 60 في المائة من صافي مستوردات الحبوب في العالم من الولايات المتحدة وان كانت هناك أقطار سوف تزيد من انتاجها من الحبوب كي تشارك في اطعام الأفواه الملاينية المنتظر ـ بإذن مولاها ـ انضمامها الى اعداد سكان كوكنا الصبور ـ أقطار مثل استراليا والهند والاتحاد الأوروبي وبلدان الاتحاد السوفيتي السابق. وفي دراسة حول هذا الموضوع بعنوان (المأدبة المنقولة) ـ فصلية فورين افيرز ـ يونية 2000 (يلخص الباحثان) رانج وسيتاور رؤيتهما لأهمية ـ بل حيوية البعد التجاري في العلاقات الدولية ولاسيما في قضية الأمن الغذائي في عبارة تقول: انه ببساطة عملية تمكين يتاح بواسطتها نقل أو تحويل الطعام ـ وبخاصة الحبوب ـ من مناطق الفائض الى مناطق العجز بمايتيح بالتالي لمناطق الاحتياج ان تطعم نفسها مادامت قادرة على ان تدفع المطلوب أو تسدد الفواتير. وقد نضيف على سبيل استكمال ابعاد الصورة ان هذا السداد للفواتير قد يكون نقدا وعدا وقد يكون على شكل مبادلات أو مقايضات تمنح امتيازا أو تحقق مصالح والمهم أن لا شئ يقدم طوعا ولا بالمجان وأن على كل دولة تحترم نفسها وعلى كل نظام سياسي يحترم نفسه ويسهر على مصالح مواطنيه ويبغى تأكيد شرعية وجوده ـ ان يحقق اساسا من الميزة النسبية التي يتمتع بها البلد الذي يحكمه وان يعمل على تفعيل واستثمار هذه الميزة النسبية ويقدمها كمقابل في اطار عمليات التبادل أو المقايضة بحيث يحقق بالفعل مبدأ الندية والتكافؤ في العلاقات الدولية من جهة وبحيث يتجسد مبدأ مساواة الدول ـ بصرف النظر عن حجمها أو درجة ثرائها ـ في السيادة وهو مبدأ جوهري ـ كما لعلك ـ تعرف من مبادئ القانون الدولي. بيد ان للمسألة وجها آخر أكثر أهمية بل وحيوية في رأينا.. ويتعلق هذا الجانب بالحوار الدائر باستمرار.. يشتد حينا ويخفف أحيانا ـ حول الموارد الغذائية المعدل جيرنيا (جي أم كما يسمونها في المصطلح الانجليزي المختصر) وهي بداهة الأطعمة أو الغذائيات الناجحة عن تكنولوجيات انتاج المواد الغذائية التي تدخلت في تطويرها ـ بقصد تعظيم نواتجها من حيث الغلة والأحجام وربما تواتر الأدوار أو الانتاج علوم الوراثة والحاصلات الزراعية. استاذ من هارفارد في هذا الصدد يوضح البروفيسور روبرت بالبرغ، استاذ العلوم السياسية والفنون الدولية في جامعة هارفارد (دراسة متشورة في فورين افيرز انظر المصدر السابق) ان الضجة المثارة والخلافات الناشبة حاليا حول هذه النوعيات من المحاصيل أو الغلات أو الاغذية الناجمة عن التكنولوجيات الزراعية ـ الغذائية المتطورة أمور عادية رغم ما تلقاه من ضروب الاثارة في ميديا الاعلام والاتصال. المفكر المذكور ينشر بحثه بعنوان حرب الغذاء العالمية ويشير الى أن كل اختراع جديد وكل ابتكار طرأ على حياة الإنسانية قوبل بنفس العاصفة من الاحتجاج أو التشكيك أو المقاومة (والمعنى بداهة هو ان لكل فعل مستجد رد فعل من المتمسكين بما عهده الناس ودرجوا عليه ووجدوا عليه أباءهم.. وأي جديد هو أمر مجهول طبعا بالنسبة للآخرين والناس اعداء لما يجهلون). وعندما توصل العالم الى تشغيل ماكينة الاحتراق الداخلي التي افضت الى اختراع السيارة.. ظل دعاة التمسك بعربات الخيول ينظمون مطولات القصائد في هجاء الاوتوموبيل الذي يدهس الناس في الشوارع ويزعج أبواقه سكينة الآمنين ويملأ الساحات ضجيجا وعجيجا وغبارا. وعندما توصل العالم الى انشطار الذرة واستطاع ان يفجر الطاقة النووية، هتف الفرقاء تحذيرا من مغبة استخدام هذه الطاقة الذرية وفداحة اخطارها حتى مع تسخيرها لخدمة الاهداف السلمية مثل توليد الطاقة أو أغراض العلاج. الشك أمر مفهوم لهذا ـ يقول البروفيسور روبرت بار لبرغ - لن ندهش حين نطالع هذا التوجس أو التشكك وحتى وابل الهجوم الذي تقابل به الاستخدامات التجارية لتكنولوجيا الانتاج الغذائي المتطورة وفي مقدمتها الشعارات والدعوات والتحذيرات التي تقول بأن هذه النوعيات المستجدة من المواد الغذائية ـ ومعظمها. كما يضيف الباحث الأمريكي ـ من انتاج الولايات المتحدة ـ تنطوي على اخطار جسيمة تلحق بصحة البشر وبالبيئة على السواء. ونحن من جانبا لا نزال نرى في هذه التحذيرات دليل على صحة وآية وعي لا تأخذ كل ماينتجه (أصدقاؤنا) الأمريكان مأخذ التسليم لاسيما واننا بازاء اطعمة ومواد لا تستعمل من الظاهر كما قد نقول ولكنها اغذية يتناولها البشر وتدخل من ثم في المنظومة الحيوية ـ البيولوجية لشرايينهم وجوارحهم وخلاياهم وابدانهم بشكل عام. المفارقة الغريبة لكننا نوافق البروفيسور بار لبرغ على ان القضية المطروحة بشأن هذه الأغذية تنطوي على مفارقة غريبة حقا.. وفوداها ان الحوار أو الملاحاة أو حتى الهجاء أو الهجوم والدفاع بشأن هذه التكنولوجيات الزراعية - الغذائية المستجدة على حياة البشر مازال مقصورا على جانبي المحيط الاطلسي دون أن يضم بالضرورة اصحاب المصلحة الحقيقية في هذه الاغذية أو في هذه التكنولوجيات: وكما رأينا في صدر هذا المبحث فان احوج الناس الى التوسع الغذائي هم أهل الاقطار النامية في العالم الثالث لكن المفارقة تتمثل في ان هذه الشعوب النامية مازالت بعيدة بل مغيبة عن هذا الحوار الدائر حول صلاحية أو خطر هذه الاغذية المعدلة جينيا: ان الحوار يدور فقط بين أطراف في أمريكا وأطراف في أوروبا الغربية دون ان يشارك فيه أطراف من العالم الثالث وهم على وجه التحديد ـ كما يضيف الاستاذ الأمريكي (الفلاحون الفقراء والمستهلكون الذين يعانون العوز التغذوي في اسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية وهي المناطق التي تعد من احوج مايكون لتلك التكنولوجيات السوبر ـ حديث في انتاج المحاصيل الاساسية باعتبارها ايضا المناطق التي تعاني من سوء أحوال الزراعة ومن سرعة تزايد السكان. لابد من الاعتراف بان العالم بسبيل تحقيق مايمكن وصفه بانه (ثورة) في تكنولوجيا زراعة وانتاج المحاصيل لكن ينبغي التأكيد على ضرورة أن يشارك في هذه الثورة المستفيدون منها.. ولهم ان يناقشوا بأمانة وموضوعية ماقد تنطوي عليها ـ شأن كل ثورة من ايجابيات وسلبيات. ـ كاتب سياسي من مصر