قد يكون الفساد مدينة جميلة مضيئة بكل أنواع الإثارة التي تُبهر العيون وتُجبر الألسن على المديح في الوجوه ومن وراء الظهور. وقد يكون كذلك جبلاً شامخاً كجبال «تورا بورا» التي لم تهدها قنابل الأمريكان ولكن حكماً من النوع المتزمت اخلا سبيله للآخرين في ظرف أيام لم تتعد حرب المئة يوم وقد كان الحكم القائم يصوّر الأمر سنين عددا. صور الفساد عديدة ولكن النتائج واحدة تتمثل في انطفاء مفاجئ لأضواء تلك المدينة الساحرة وانغماسها في ظلام دامس لن يخرج الناس منه إلا أشلاء مقطعين بفعل حراس تلك الزينة الخادمة أودهساً بالأقدام البريئة من تلك الحالة الهستيرية العامة. نقف طويلاً على نتائج الفساد الإداري والمالي ولا نملك وقتاً ولا صبراً للوقوف على أطلال الأسباب الحقيقية التي تجعل من أهل الفساد الفعليين يهربون من مواجهة شر أعمالهم، لتتحمل الفئات الكادحة كل ما كسبت أيديهم الملطخة بسرقة الملايين من البشر لتحويلها الى مئات المليارات في البنوك العالمية التي لا تكشف عن هذه العمليات إلا بعد أن تجني أرباحها السنوية الطائلة عبر آلاف التقارير المالية المدققة هناك لكي تقع ويلاتها في بلدان العوالم المتخلفة، فاندونيسيا والأرجنتين من أبرز الشهود على ما نقول. فأخبار الرشاوى اليومية شاهد دائم على ما يحدث في العالم من تجاوزات وفضائح أكبر من قدرة الشعوب المغلوبة على أمرها في تحمل تبعاتها، والأدهى من ذلك أنها تدفع الثمن أغلى بكثير مما دفعت لسنوات مضت ولن تعيد السنوات المقبلة لهم غير الهباء المنثور. وآخر الأخبار وليست الأخيرة هو إرساء عقد تحديث دبابات تركية على إسرائيل يكشف فضيحة رشاوى بالجيش تقدر بقيمة ثلثي مبلغ المشروع الاجمالي وهو عشرة تريليونات ليرة تركية في الوقت الذي كانت المناقصة ترسي على خمسة تريليونات فقط. ولكن لأن المشروع برمته لم يمر عبر المناقصة المعتادة فقد طارت من خلالها رؤوس كبار من جنرالات الجيش الذي يُراد منه الدفاع عن أمن البلد عن طريق بيعه. فكم من البلدان في العالم الثالث في الطريق الى البيع عبر المزاد العلني الذي لا يتم الكشف عنه إلا بعد أن يصحو الشعب على أخبار الصباح وهي تزف إليهم بشارة سقوط الحكومة وإفلاسها ومن ثم هروب المسئولين فتأكل الملايين الحصرم بدل الطماطم. E-Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae