في الصفحة الأولى من صحيفة «البيان» الموجودة بين أيديكم اليوم، هناك خبران قد لا توجد بينهما صلة بالضرورة، الأول أعلى الصفحة وعنوانه يقول «كثرة تناول فيتامين (أ) تضر بالعظام»، أما الخبر الثاني فهو أسفل الصفحة ومفاده «ان كثرة الجلوس أمام الكمبيوتر لا تضر النظر». لكن ما هي الصلة بين الخبرين، تقديري ان هناك أكثر من رابطة قوية بينهما، فالخبران يمثلان وجهة نظر مخالفة تماماً لكل ما كان شائعاً، فجميعنا يقرأ ويسمع منذ زمن طويل ان فيتامين (أ) يقوي الجسم والمناعة، كما أننا كنا شبه متأكدين ان الجلوس لفترة طويلة أمام الكمبيوتر لا يصيب النظر فحسب بل الظهر والساقين وربما أعضاء اخرى لا نعرف مدى تضررها. واذا كان التقدم العلمي والتكنولوجي خاصة في مجال اختبارات الأغذية والفيتامينات وكل ما يتعلق بصحة الجسم البشري قد قطع أشواطاً متقدمة للغاية، مما عاد على الانسان بالنفع فإنه من شبه المؤكد ان هناك حرباً دعائية بين شركات الأغذية والأدوية الكبرى في العالم، قد يكون ذلك طبيعياً، فكل شركة تحاول بشتى الطرق تسويق منتجاتها سواء كانت سلعة غذائية أو دواء او سيارة او حتى صاروخاً، لكن الجديد الآن ان بعض الشركات الكبرى بدأت تلعب بطريقة غير نظيفة فيما بينها مستخدمة سلاح الابحاث العلمية. المفترض أن الصفة الأولى التي يجب ان يتحلى بها أي باحث علمي هي الأمانة البحثية أو ما يسمى بالضمير البحثي والعلمي، بمعنى ألا يخرج علينا بالقول ان سم الأفاعي مفيد لتنشيط الدماغ أو ان استنشاق الهيروين يقوي نشاط الصدر ووظائف الكبد! لكن المأساة التي بدأت تتكشف مؤخراً ونشرتها بعض الصحف الأوروبية ان الشركات الكبرى وفي اطار حربها المحمومة للسيطرة على الأسواق، خاصة أسواق العالم الثالث لم تعد ترى حرجاً في تفصيل الأبحاث العلمية على مقاس منتجاتها، ولم تتوقف عند ذلك، بل انها اشترطت على باحثيها ان يتوصلوا الى النتائج التي تتفق وحجم أسواقها، بمعنى أوضح ان باحثاً بشركة ما اذا توصل الى نتيجة تفيد أن الصلصة التي تنتجها شركته ضارة بالمستهلكين، لا يمكنه ليس فقط اعلان نتيجة بحثه على العامة، بل عدم بيعه او نشره في أي مكان وإلا تعرض للفصل وربما الملاحقة، لأن عقده يتضمن مثل هذا الشرط الغريب. في ظل هذه الظروف والشروط غير الأخلاقية، لم يكن غريباً ان تقوم شركة ما ليس فقط بالترويج البحثي غير المنطقي لمنتجاتها، بل واظهار ان منتجات الشركات الاخرى المنافسة لا تتمتع بأي ميزة على الاطلاق، وهكذا وجدنا ان مسحوق الغسيل الذي تنتجه شركة ما ويغسل أكثر بياضاً، هو أسوأ منتج على الاطلاق في نظر دعاية الشركة الاخرى، والنتيجة ان المستهلك أصبح الضحية الأولى والأخيرة لهذه المنافسة غير الأخلاقية، هذا المستهلك لم يعد فقط مرتبكاً ومشوش الذهن تجاه حرب الدعايات المتناقضة، او سيتأثر جيبه ونقوده فقط، بل سيصل الأمر الى صحته أيضاً، فكل شركة تزعم انها توصلت الى ان منتجها هو الأفضل بعد أبحاث علمية مخبرية مؤكدة، و«المستهلك المسكين» لا يعرف ان هذه الأبحاث في معظمها هي «مطبوخة» في دهاليز أقسام الدعاية والاعلان. التقدم جيد والاختراعات تهدف في الأساس الى تقدم البشرية، لكن لهذا التقدم ثمناً باهظاً على الصعيد الانساني والاستمتاع بالحياة نفسها، ففي الماضي وفي ظل «التخلف» كنا نأكل الخضروات مباشرة من الحقول، واللحوم نراها وهي تذبح أمامنا، الآن وفي ظل ثورة الهندسة الوراثية لم نعد نعرف ما هو الصحي وما هو غير الصحي، واصبحنا تحت رحمة ثورة المأكولات المحفوظة التي تؤكد الأبحاث الجادة والحقيقية انها الأكثر ضرراً بالصحة. الغريب ان اوروبا وامريكا التي قادت ثورة الهندسة الوراثية تدعو الآن للعودة الى الطبيعة وتناول كل ما هو طبيعي سواء كان مأكلاً او دواء مشتقاً من الأعشاب. لكن مشكلتنا نحن المستهلكين لكل شيء وغير المنتجين لأي شيء أكبر، فكل يوم نقرأ بحثاً علمياً جديداً يناقض البحث الذي قرأناه بالأمس، وصرنا كمن يرقص على السلالم ولا نعرف هل نفتح الشباك ام نغلقه، وهل نجلس أمام الكمبيوتر لفترات طويلة أم نعود الى الجلوس تحت الشجرة؟! Email: emadiraqi@yahoo.com