أعرف أسراً عربية مسلمة تقيم في أوروبا والولايات المتحدة نسي الجيل الثاني أو الثالث من أبنائها أنهم مسلمون بعد أن كادوا يفقدون حتى القدرة على التخاطب العادي باللغة العربية. مثل هؤلاء، وليس الأوروبيين والأمريكيين المسيحيين هم الجديرون بأن يكونوا الجمهور المستهدف بصورة رئيسية لمشروع القناة الفضائية الاسلامية. هذا المشروع الذي وضعته المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة، أجازه في الاسبوع الماضي اجتماع لوزراء الثقافة في منظمة «المؤتمر الاسلامي» بعد أن وافقت دولة قطر على استضافة القناة المقترحة. والهدف الاستراتيجي الاعظم للمشروع هو مخاطبة المجتمعات الغربية تلفزيونيا بلغاتها الرئيسية ـ الانجليزية والفرنسية والاسبانية ـ لشرح رسالة الاسلام كعقيدة وحضارة وتصحيح المفاهيم الخاطئة السائدة تقليديا في الغرب بشأن الاسلام والمسلمين.. وهي مفاهيم برزت بصورة قوية في أعقاب أحداث 11 سبتمبر الزلزالية في الولايات المتحدة. ان الشرط الأساسي والابتدائي لنجاح أي مشروع جديد للمخاطبة الاعلامية هو الدقة في تحديد الجماعة او الجماعات المستهدفة بالرسالة الاعلامية التي ينطوي عليها المشروع، ومن ثم القدرة على التنافس مع الوسائل الاعلامية المماثلة في اجتذاب الجمهور المستهدف. انطلاقا من هذا الشرط الأساسي فانني أرى أن توجيه القناة الفضائية الاسلامية في مرحلة البداية صوب الجمهور العام في مجتمعات أوروبا وأمريكا الشمالية ذات الطابع المسيحي والثقافة الانجلو سكسونية واللاتينية، ربما كان اختيارا غير موفق لأن القناة الاسلامية، كوسيلة اعلامية خارجية، سوف تجد نفسها في حال تنافس غير متكافئ مع الشبكات التلفزيونية الأوروبية والامريكية العملاقة ذات السيطرة الواسعة والثابتة تقليديا مثل CNN وABC وBBC و غيرها من شبكات فرنسية وكندية. ولن يكون متاحا لقناة اسلامية غير غربية أن تزاحم مثل هذه القنوات العملاقة لاجتذاب أي قسم من جماهير مشاهديها في بلدان الغرب. لكن هذا لا يعني أن مشروع القناة الاسلامية محكوم عليه مقدما بفشل حتمي. فهناك خيار او خيارات اخرى متاحة لو أحسن استغلالها بذكاء. وأسهل الخيارات للمرحلة الابتدائية للقناة الاسلامية هو استهداف جمهور خاص بدلا من جمهور عام.. جمهور يمكن ان يكون على استعداد للتجاوب معها بصورة فورية. هذا الجمهور الخاص يتمثل في أقليات المواطنين الأوروبيين والأمريكيين المسلمين الذين ينحدرون من أصول عربية وغير عربية. وهي أقليات لا يمكن الاستهانة بها عدديا. فالمسلمون من أصول عربية وافريقية وآسيوية في الولايات المتحدة وحدها يزيد عددهم على 11 مليونا. ان ابناء هذه الأقليات من الجيل الثاني والثالث يتعرضون هم ومن بعدهم من الاجيال المستقبلية لفقدان الهوية الدينية بالانصهار في بوتقة الثقافة الغربية وقيمها المتناقضة مع القيم الاسلامية. وهذا الانصهار الحاصل أو المحتمل ليس ناشئا بالضرورة بين هذه الأجيال من استخفاف بالاسلام بقدر ما هو ناشئ من جهل به يكاد يكون كاملا. من هنا يكون انطلاق الرسالة الأولى للقناة الفضائية الاسلامية لجمهور جاهز من ملايين الشباب المنتشرين في بلدان أوروبا وأمريكا الشمالية المستعدين مبدئيا للتجاوب مع من يخاطبهم بالانجليزية أو الفرنسية أو الاسبانية، وربما ايضا بلغة الأوردو واللغة العربية ليعرفهم بمبادئ وقيم دين ينتمون اليه مع جهلهم به. وربما يكون هذا التجاوب أعمق وأقوى اذا استخدمت الفضائية الاسلامية مقدمي برامج ومتحدثين من بين الغربيين الذين اعتنقوا الاسلام من أمثال الفرنسي رجاء جارودي. هذه مرحلة أولى للقناة. ونجاح هذه المرحلة سوف يكون الخطوة الأولى لتقتحم القناة معركة التنافس الأوسع بثقة كاملة.