تسود المنطقة العربية طروحات فكرية وسياسية تحاول تشخيص العلة داخل مجتمعاتها، ثم تتناقض وتتضارب هذه الطروحات حينما تحاول وصف الدواء لعلل هذه المجتمعات! فبعض من المفكرين العرب يرى العلة في التخلف الاجتماعي العربي وفي نسبة الأمية وفي انعدام السلوك الحضاري بين العرب. وفي رأي هذا البعض أن العلاج لمشاكل الأمة العربية لن يتحقق ما لم تحصل إعادة بناء اجتماعي للإنسان العربي. آخرون من المفكرين العرب يتعاملون مع الأمراض المشتركة في الجسم العربي كأن مصدرها علة واحدة. قد تكون اضطهاد المرأة العربية أو قد تكون غياب الديمقراطية، بحيث ان علاج هذه المشكلة المحددة سيكون ـ بنظر هذا البعض ـ الأساس لعلاج كل أمراض المجتمع العربي!وهناك من يحدد المشكلة العربية في غياب المجتمع العلماني المدني، وبعض آخر يرى سببها في الابتعاد عن الدين واحكامه وشريعته! أيضاً، هناك من يُرجع أسباب التخلف الراهن للبلاد العربية إلى غياب الوحدة السياسية بين العرب. بينما بعض آخر يحمّل الدعوة للقومية وللوحدة العربية المسئولية عن حال التردي العربي الراهن، وينظر إلى الكيانات العربية القائمة بمثابة السقف الأعلى الذي لا يجب تجاوزه حاضراً ومستقبلاً.! وبين هذا الطرح العربي. وذاك الطرح الإقليمي، يدخل دعاة الشرق الأوسط الجديد الذين ينظرون لمشاكل العالم كله ـ ومنه عالم العرب ـ بمنظار اقتصادي بحت، لا يعترف بهوية ثقافية، ولا بخصائص حضارية مميزة، ولا يميز بين عدو محتل وبين شعب شقيق، إلا بمعيار المصلحة الاقتصادية! فوضى الطروحات هذه النماذج من طروحات الفكر العربي الراهن، لا تخرج عن المألوف في التاريخ العربي المعاصر حينما كان العالم، لاكثر من نصف قرن، ينقسم بين شرق اشتراكي وغرب رأسمالي، وهي الفترة التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، والتي عُرفت باسم الحرب الباردة بين قطبي العالم. فبينما كان القطب الغربي يطرح الديمقراطية كرمز له وكعلاج سحري لمشاكل المجتمعات، كان القطب الشرقي يدعو للاشتراكية والعدالة الاجتماعية كطرح مضاد ومقابل للطرح الغربي الرأسمالي. وكانت المنطقة العربية، في تلك الفترة، أسيرة هذه الطروحات، مثلها مثل كل دول العالم الثالث الذي كان يبحث عن مكان له في عالم تسوده القطبية الثنائية الحادة.لقد كانت دول العالم الثالث وهي المنطقة العربية وأفريقيا وأميركا اللاتينية وقسم كبير من آسيا تعيش هماً يختلف في طبيعته عن هموم دول العالم الأول الغربي و العالم الثاني الشرقي.فقد كان الهم الأول لدول العالم الثالث هو التحرر الوطني والقومي من القواعد العسكرية الأجنبية، ومن السيطرة الاستعمارية المباشرة التي برزت في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.حتماً، إن الديمقراطية و العدالة الاجتماعية هما أساس لبناء المجتمعات من الداخل حينما يكون هذا الداخل متحرراً من سيطرة الخارج. لكن عندما يخضع شعب ما للاحتلال أو للسيطرة الخارجية، فان مفاهيم ووسائل تطبيق الديمقراطية أو العدالة الاجتماعية، ستكون فقط بما يتناسب مع مصالح المحتل أو المسيطر، لا بما يؤدي إلى التحرر منه أو من نفوذه المباشر.ولعل شواهد ذلك كامنة في مراجعة تاريخ إصرار القطب الشيوعي العالمي على تهميش أي دور للارادة الوطنية الحرة في المجتمعات التي كانت تسير في فلكه، وعلى تهميشه، بل ورفضه، لأي طرح ديمقراطي وطني مستقل . كذلك كان الأمر على الطرف الآخر من الصراع البارد القطب الغربي الرأسمالي الذي كان يريد تهميش كل طرح اجتماعي عادل، وابقاء السيطرة الاقتصادية للشركات الغربية الكبرى تحت حجة حرية السوق والنظام الاقتصادي الحر وشعارات الديمقراطية. أما الآن، وفي مرحلة ما بعد سقوط النظام الشيوعي ووحدانية السيطرة العالمية للقطب الغربي الأمريكي. فان العالم يشهد حالة فوضى من الطروحات التي تتفاعل داخل كل مجتمع. وهي طروحات تشمل الدين والعلمانية، والقومية والعنصرية، والتكتلات الاقتصادية والانعزالية الجغرافية. تجارب عالمية ووسط هذه الفوضى الفكرية العالمية، فان من المهم الاشارة إلى نماذج عالمية معاصرة قد نستفيد نحن العرب من تجاربها: ـالتجربة اليابانية: فاليابان خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمرة ومهزومة وعاشت تجربة استخدام السلاح النووي ضدها ـ وهذا ما لم يحصل في أي مكان آخر بالعالم ـ ورغم ذلك استطاعت اليابان ان تخرج من تحت الانقاض وتعيد بناء ذاتها لتكون الآن المنافس الاقتصادي العالمي الأول لمن أذلّها في الحرب العالمية الثانية. وفي هذه التجربة اليابانية، يبرز التمسك الياباني بالبعد الحضاري الخاص، وعدم الخلط بين استيراد العلم والمعرفة التكنولوجية، وبين المحافظة على التراث الحضاري القومي لليابانيين. ـ التجربة الالمانية: حيث لم ييأس شعب المانيا من امكانات وحدته ومن عوامل تكوينه كأمة واحدة ـ رغم تقسيم المانيا لدولتين وبناء ثقافتين متناقضتين فيهما لحوالي خمسين عاماً ـ وبناء حائط برلين الذي كان رمزاً لانقسام العالم بين شرق شيوعي وغرب رأسمالي، فإذا بشعب المانيا يدمر هذا الحائط ولا يقبل بتدمير عناصر وحدته القومية. وفي هذه التجربة الالمانية الفريدة، يبرز تمسك الشعب الالماني بالبعد القومي الخاص، والذي استطاع تجاوز كل عوامل التفرقة المصطنعة التي زرعت وسطه لنصف قرن من الزمن. ـ تجربة جنوب افريقيا: وفي هذا النموذج الفريد أيضاً، تتضح أهمية القيادة السليمة، وضرورة وضوح الهدف المركزي والاخلاص له، والاصرار على تحقيق الهدف وعلى الاسلوب السليم من أجل الوصول إليه. فمن يرى في الأمة العربية، أمة متخلفة، ليقارن مع جنوب افريقيا التي أعلن قائدها نيلسون مانديلا أمام الكونجرس الأمريكي، ان نسبة الأمية في بلده تفوق الـ 70% من عدد السكان! ومن يرى في اختلاف العرب وحروبهم القبلية مانعاً لوحدتهم المستقبلية أو لبناء مستقبل عربي أفضل، فليقارن أيضاً مع جنوب افريقيا التي ليست هي فقط مجتمع منقسم بين سود وبيض، بل أيضاً بين قبائل سوداء متناحرة مع بعضها لعشرات السنين.ورغم كل عناصر الفرقة والتخلف والأمية في جنوب افريقيا، فإن التمسك بالهدف والاصرار على تحقيقه من خلال سبل سليمة وتحت قيادة مخلصة، حرّر جنوب افريقيا من نظام عنصري بغيض، وحافظ على وحدة المجتمع، وأوقف الحروب الأهلية القبلية، وبدأ في بناء نظام اجتماعي ديمقراطي فيه حصة لكل أبناء المجتمع رغم تباين اللون والعنصر والمصالح! ففي هذه النماذج المختلفة من تجارب العالم المعاصر، ما يعزز الأمل بامكانية بناء مجتمع عربي أفضل، شرط الجمع بين حصيلة دروس هذه النماذح. فالبعد الحضاري الهام لدى العرب لن يكفي وحده لمعالجة الأزمات التي تعصف بالأمة الآن من كل حدب وصوب، ومن الداخل والخارج، فهذا البعد هو أساس هام للمنطلق ولبناء الأساس الفكري والخلقي والقيمي لأي حركة اصلاح عربية. لكنه يحتاج إلى استكمال بعناصر أخرى، خاصة في ظل واقع التجزئة والانقسام الذي امتزج بالتغريب الثقافي، وبطرح بدائل حضارية قديمة للحضارة العربية الإسلامية. ففي المنطقة العربية وحدها، لا يصح إلا الطرح المشترك بين البعد الحضاري الإسلامي وبين البعد العروبي القومي، ولا يمكن اسقاط احدهما عربياً بدون اسقاط الآخر، وهذا ما حصل في بلاد العرب بمطلع هذا القرن حينما ارتبط تقسيم المنطقة بطرح التغريب الثقافي والعودة إلى الحضارات القديمة. ولن يكون للبعدين الحضاري والعروبي، أي امكانية تغيير أو اصلاح في احوال أمة العرب، ما لم تتوفر أيضاً القيادات المخلصة النزيهة التي تضع مصلحة شعبها فوق مصالحها الخاصة، ومصالح اوطانها فوق مصالح انظمتها ومنظماتها، والتي تضحي بنفسها في سبيل الهدف، وليس العكس! امتلاك الارادة ولعل في كل هذه النماذج ودروسها ما يؤكد الحاجة أيضاً إلى التمسك بشعار الحرية وابعاده المختلفة داخلياً وخارجياً: للأوطان وللشعوب في تحررها من سيطرة الخارج. للأفراد وللمجتمع. للعلاقات بين الأفراد، والعلاقات بين الأوطان والمجتمعات.فالحرية، بمعناها الشامل، كانت وستبقى، الأساس لكل جوهر الأديان السماوية، وللقيم الانسانية العامة. الحرية التي تبقى عاجزة وناقصة إذا لم تترابط فيها مسألة التحرر من سيطرة الخارج مع مسألة التحرر من الاستبداد الداخلي. الحرية، التي هي كالطير، بحاجة إلى تكامل جناحي الديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية، حتى تستطيع التحليق عالياً. فمن حق العرب تجاه الآخرين ـ ومن واجبهم تجاه أنفسهم ـ التمسك بحرية اختيار ثقافتهم القائمة على الحضارة العربية الاسلامية. وبشكل مشابه للحق الذي اختاره شعب اليابان. ومن حق العرب تجاه الآخرين ـ ومن واجبهم تجاه أنفسهم ـ التمسك بحرية تقرير مصيرهم في اطار إتحاد دستوري تكاملي يجمع بين اوطانهم التي تشترك جميعا في الانتماء الواحد للعروبة. وبشكل مشابه للحق الذي اختاره شعب المانيا، أو في الحد الأدنى، ما إختارته شعوب أوروبا الغربية. ومن حق العرب تجاه الآخرين ـ ومن واجبهم تجاه أنفسهم ـ التمسك بحرية أرضهم من أي احتلال عنصري صهيوني. وأيضاً واجبهم في بناء المؤسسات الوطنية السليمة التي تتجاوز الصراعات الفئوية والمصالح الخاصة، والتي تقودها قيادات حرة في قرارتها ومعبرة عن إرادة شعوبها، وبشكل مشابه للقيادة الحرة التي حررت شعب جنوب افريقيا. فالحرية هي أولاً. والحرية هي أخيراً. ـ مدير مركز الحوار العربي في واشنطن