المنجمون وحدهم دون سواهم كانوا نجوم معظم البرامج التي بثتها الفضائيات ليلة رأس السنة وأطلقت لهم العنان لملء حيز البث وابراز مواهبهم في الدجل وادعاء معرفة ما يحمله العام الجديد للعالم الذي لم يعد للفرح مكان فيه، بعد ان ملأته الكوارث والمصائب فجاءوا ليزيدونا بآرائهم التنجيمية وأفكارهم الفلكية شر البلّية الذي يجعلنا نغرق في الضحك حتى يكاد أن يتحول الى بكاء لشدة مرارته وقسوته. والحقيقة إننا لم نستغرب تخصيص تلك البرامج ساعات طويلة للهرج والمرج لأن هذا المسلك هو نهج هذه البرامج الذي لا تملك غيره، ولكن ما يدعونا للاستغراب ان هؤلاء الافاقين أرادوا اظهار انفسهم كمثقفين لهم باع في شتى أنواع العلوم، فهم خبراء في السياسة على علم بخباياها وأدق تفاصيلها، ولديهم المام شامل بالاقتصاد وأحوال المال والتجارة ولا تنقصهم المعرفة الكبيرة بشئون الرياضة والرياضيين، ويعرفون كل شيء في الفن وعن الفنانين.. وصدق الواحد منهم الكذبة التي كذبها وراح يفتي في كل شيء ويدلي بغزارة علمه الفلكي وتنجيمه في كل شيء وسط اعجاب مقدمي البرامج بما يخرج من فيه وما ينطق به من لغط حسبه معرفة بالغيب.. ولعل أطرف هؤلاء المنجمين كان ذلك الذي تحدث عن حكمة زعيم عربي التي تمكنه من الصبر على وزرائه وتحمل أخطائهم واعطائهم مزيداً من الوقت لتحقيق ما يصبون اليه، ورغم ذلك فان الوزارة في بلد هذا الزعيم على موعد مع تغيير كبير بعد عدة اشهر وهي التي لم يمض على تشكيلها أشهر قليلة جدا. وأكثر من ذلك راح هذا المنجم الهمام يتوقع ارتفاع قيمة عملة دولة تعاني ازمة حادة منذ سنوات واصابها الوهن في الصميم ووضعها ماض من سيئ الى أسوأ، قال انها على موعد مع ارتفاع قيمتها أمام العملات الاخرى العربية بل وحتى الدولار شخصيا! وقال فيما قال ان هذه الدولة وحدها سوف تتمكن من اجتياز اثار سبتمبر الماضي قريبا. وعلى قناة اخرى راحت منجمة اخرى تظهر براعتها في العلاقة بين النجوم وهي تقدم ما تخبئه الايام لاصحاب الابراج وأخذت تتحدث عن كل شيء وكأنها عالمة الغيب ـ والعياذ بالله ـ. ونحمد الله كثيراً ان معظم تلك البرامج كانت مسجلة والا لاحتاجت لساعات للرد على اتصالات المشاهدين الذين يؤمنون ايمانا راسخا بما يقوله المنجمون، والابراج الفلكية هذه وما يأتي فيها يعتبرون انفسهم ملزمين بها وتصديق ما ورد فيها بل والعمل به. فما بالنا والمتحدثة امامهم شخصية عرفتها المذيعة انها عالمة فلك وتنجيم وقالت عنها الكثير راحت تبث روح الامل والتفاؤل في الناس وتدغدغ مشاعرهم وتجعلهم يعيشون على أوهام وأحلام لن تتحقق. فهذا الفقير الذي تداعب خياله احلام الغنى والثراء والتخلص مما هو فيه، وتلك التي فاتها قطار الزواج ويئست من حلم الجلوس في كوشة او حتى زواج من غير دقدقة وطيران جاءت المنجمة تفتح أمامها ابواب الامل من جديد في ان تتخلص من لقب العانس، وذلك الرجل الذي اعتاد الفشل ان يكون حليفه والاخفاق عنوان حياته واليأس وتحقيق أي نجاح رسمت له المنجمة أحلاما وردية وضمنت له على حد قولها النجاح والسؤدد في أي عمل ينوي القيام به. وهكذا.. بدأ العام الجديد كغيره من الأعوام التي مضت أو التي ستأتي وبالطبع فان الجميل سيكون وارداً فيه كما سيكون للقبيح مكان فيه والشر والخير والحرب والسلام والعدل والظلم والخوف والأمن والفقر والغنى جميعها متناقضات وسمات لكل عام. Email: fadheela@albayan.co.ae