ترى هل آن لليمن أخيرا أن ينعم بالأمن والأمان ؟ على ما يبدو أن هذا الأمل أصبح تفعيله وشيكا على أرض الواقع، وأن الرئيس على عبد الله صالح بات على قناعة بأن الشفافية والحسم واللامهادنة أصدق أنباء وأجدى في استئصال ظواهر الإختلالات الأمنية، من الإستمرار في نهج المساومات والأعراف القبلية وخاصة فيما يتعلق بالأتاوات المالية والمادية مقابل الافراج عن الاجانب المختطفين وبلغ عددهم المئة منذ عام 1993 . ورغم أنهم جميعا جرى تحريرهم من أيدي القبائل سلميا، وإلى حد إشادتهم بالأوقات السعيدة وذكرياتهم المثيرة حول كرم ونبل الخاطفين، إلا أن اعتماد السلطات الأمنية للقوة العسكرية لأول مرة في الافراج عن سياح أوروبيين كانت قد اختطفتهم إحدى الجماعات الأصولية المتطرفة في ديسمبر 1998، مما أفضى إلى مقتل ثلاثة من الرهائن البريطانيين واسترالي واحد، أدى إلى تراجع السلطات الأمنية عن منطق القوة، والعودة مجددا إلى ممارسة أساليب المفاوضات المباشرة مع الخاطفين أو عبر الوساطات القبلية، ومن هنا السؤال عن الدوافع التي أملت على الحكومة اليمنية فرض هيبة السلطة المركزية وإعمال القانون نصا وروحا في التعامل مع حادث اختطاف الماني مؤخرا من أمام مسكنه في صنعاء، واقتياده إلى منطقة صرواح الجبلية الوعره التي تبعد 140 كيلو مترا شرق العاصمة حيث تسكن قبيلة جهم أحد بطون خولان اقوى القبائل اليمنية. البيان الصادر عن مجلس الوزراء اليمني في أعقاب الحادث أكد على التعاطي بحزم من الآن فصاعدا مع كل الأعمال التي تخل بأمن البلاد دون تساهل مهما كانت الحجج والذرائع، بعد أن تسببت في الإساءة لسمعة اليمن وتشويه صورته الحضارية والإضرار بمصالحه واقتصادياته، على أن ما لم يذكره البيان من التفاصيل ما أدت إليه حوادث اختطاف الأجانب من خسارة قطاع السياحة بعد إزدهارها، وتقلص معدلات الاستثمارات الأجنبية، وانعكاس هذه الأوضاع على توقف حوالي 35 ألف يمني عن العمل في هذا القطاع، فضلا عن استشراء البطالة بوجه عام. ومما لاشك فيه أن عدة عوامل سياسية كانت وراء خيار الضرب بيد من حديد على المسئولين عن حوادث الاختطاف، فقد سبقه قرار مجلس النواب بالموافقه على ضم التعليم الديني الذي تضطلع به المعاهد العلمية إلى إشراف وتوجيه وزارة التربية والتعليم، بعدما تبين أن معظم عناصر الجماعات الأصولية المتطرفة من خريجي هذه المعاهد، إلى حد التخوف من تكرار ظاهرة طالبان في اليمن، ثم أن القبائل التي تحترف جرائم الاختطاف كانت تستمريء ـ في نفس الوقت ـ عمليات الإبتزاز والكسب غير المشروع عبر استثمار المتناقضات بين اليمن وبعض جيرانها. لكن يظل للحرب الأمريكية المعلنة ضد الإرهاب دور بالغ الأهمية في توخي اليمن لضربة عسكرية على غرار أفغانستان، عبر التعاون الكامل مع سلطات التحقيقات الفيدرالية سواء على صعيد تقديم ما لديها من ملفات أجنبية حول الجماعات الأصولية، وسواء بفتح الأبواب على مصارعها لاعادة التحقيق واقتفاء أثر المتهمين في حادث تفجير المدمرة كول في ميناء عدن العام الماضي، وهكذا إعمالا للمثل القائل (بيدي لا بيد عمرو) بادرت الحكومة اليمنية إلى تطريق قبيلة جهم بقوات من الأمن والجيش لتحرير الألماني المختطف، مما أدى إلى سقوط قتلى ومصابين من الجانبين، ونحسب أنها خطوة إيجابية على طريق شائك وطويل لاجتثاث ظواهر الاختلالات الأمنية، من المتعين أن تلحق بها عدة خطوات تباعا، بداية بنزع السلاح الخفيف والثقيل الذي يفوق تعداد أهل اليمن، مرورا بضرب الفساد دون الهوادة، وتفعيل قانون الإثراء غير المشروع، نهاية بوضع استراتيجية صريحه لاستبدال (القات) بزراعات أكثر نفعا إيذانا بالإقلاع عن تعاطيه، وعلى كل الحريصين عن مصالح اليمن أن يتفاءلوا خيرا، خاصة وأن حكومته دعت كافة فصائل وطبقات الشعب وأحزابه ومنظماته المدنية إلى الإضطلاع بمسئوليتها الوطنية والاخلاقية لدعم ومساندة هذا التوجه النهضوي وذلك أن يدا واحدة لا تصفق. ـ كاتب مصري