بدا واضحاً من أخبار احتفالات نهاية العام التي امتلأت بها نشرات الأخبار ان عام 2002 بدأ أوروبياً بكل المقاييس، فلأول مرة في تاريخها بدأت القارة العجوز منذ صباح أمس (الثلاثاء) استخدام عملة موحدة ستتداولها أيدي اكثر من (300) مليون مواطن أوروبي في (12) دولة أوروبية مؤذنة باختفاء عملات تقليدية وعملاقة وذات تاريخ عريق يعود لأكثر من 640 عاماً!! اذن فلا شيء مستحيل، وها هم الأوروبيون بعد أن كنا نراهم في كل مطارات أوروبا يعبرون بسلاسة وسهولة حاملين جوازات سفر موحدة، فيملؤنا الأسى لحالنا العربي العجيب، انهم اليوم يحملون نفس النقود ويتجولون في شوارع عواصمهم الكبيرة باعتزاز وقوة، وما ينتظرهم لا شك أفضل برغم ما كان يملأ قلوبهم تجاه بعضهم بعضاً، وبرغم ما تمتلئ به صحائف التاريخ والأحداث من حروب وصراعات ودماء أودت بملايين منهم في ساحات حروب عالمية وغير عالمية. فبعد 640 عاماً تتنازل ألمانيا عن رمز سيادتها (المارك) وبلجيكا عن دليل توحدها (الفرنك) وكذلك تفعل عشر دول اخرى، لأنها تبحث عن سيادة اقوى وتوحد أبقى في ظل عالم يموج بالصراعات البشعة التي اذا تطايرت شرارتها انفتحت أبواب الجحيم وتهاطل الرعب والموت من كل فج عميق، وعليه فلا مجال سوى القوة والتكتل بعيداً عن الأنانيات السياسية والشوفينيات القومية، وحماقات بعض رجال السياسة ومجانينها من الذين لا شرف لهم يسجلونه في دفاتر حياتهم سوى قيادة البشرية نحو المزيد من الهلاك والدمار والموت وملايين القبور. وكما نظرنا إليهم يتحركون في مطاراتهم بحرية واعتزاز حاملين جوازاتهم الموحدة، فإننا ننظر اليهم اليوم وهم يصرفون عملة واحدة، بنفس الأسى والحزن، مرددين سؤالاً ظل يتلجلج في قلوبنا منذ ان سمعنا في طفولتنا حكاية الأعرابي الذي أراد ان يعلم ابناءه درساً عملياً في أهمية التوحد فدفع اليهم بحزمة العصي التي استطاعوا كسرها فرادى واستعصت على الكسر مجتمعة فقال لهم: تأبى العصي ان اجتمعن تكسراً وان افترقن تكسرت آحاداً وسؤالنا هو: متى يحين موعد الوحدة العربية الكبرى؟ متى يزول عنا عار التاريخ وذله فلا نعود كثرة تشبه الزبد، وتتداعى علينا الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها كما حدّث رسولنا عليه الصلاة والسلام؟ سيقول كثيرون وقالوا بالفعل بأننا كعرب يفرقنا واقع سياسي واقتصادي ونفسي وعقائدي أحياناً، أكثر مما تجمعنا رومانسيات الكلمات والشعر والأمنيات، وسنقول حسناً، وماذا يمنعنا ان نتحد كدول خليجية، يواجهها الكثير من التحديات والاخطار والمآزق، وتتوسط عالماً يغلي بالأزمات والحروب والانفجارات؟ لا يمنعنا شيء، وعينا بتحدياتنا موجود، ونوايانا الحقيقية تجاه الوحدة موجودة، ومشاكلنا الداخلية فيما بيننا نحلها خطوة خطوة، فبعد قضية جزر حوار بين قطر والبحرين يبقى في أجندة قادة الخليج بعض النقاط التي لن تستعصي عليهم طالما كانت النوايا صادقة، لا يمنعنا شيء ونحن نسمع عن اتفاق اقامة الاتحاد الجمركي بعد سنتين واعتماد العملة الخليجية الموحدة عام 2010، وبداية انضمام اليمن بشكل او بآخر ضمن عضوية المجلس. عندما تريد الشعوب ان ترسم مستقبلها وفق تحدياتها واستراتيجياتها فإنها تستطيع، حتى بعد 640 عاماً من الحروب والصراعات كما فعلت دول أوروبا! Aisha@albayan.co.ae